ذكر الحافظ ابن الجوزي عن ابن قمادين قال: لم يكن من كبراء قريش الذين تأخر إسلامهم فأسلموا يوم فتح مكة أكثر صلاة ولاصوما ولاصدقة ولا أقبل على مايعنيه من أمر الآخرة من سهيل بن عمرو , حتى إن كان لقد شحب لونه , وكان كثير البكاء رقيقا عند قراءة القرآن, لقد رئي يختلف إلى معاذ بن جبل يقرئه القرآن وهو بمكة حتى خرج معاذ من مكة فقال له ضرار بن الخطاب: يا أبا يزيد تختلف إلى هذا الخزرجي يقرئك القرآن ؟ ألا يكون اختلافك إلى رجل من قومك من قريش ؟ فقال: ياضرار هذا الذي صنع بنا ماصنع حتى سُبقنا كل السبق, أي لعمري أختلف إليه , لقد وضع الإسلام أمر الجاهلية , ورفع الله بالإسلام قوما كانوا لايُذكرون في الجاهلية, فليتنا مع أولئك فتقدمنا (1) .
فهذا الخبر يحتوي على قبس من نور الهداية بعد ظلام الغواية , فلقد كان أبو يزيد سهيل بن عمرو بن عبد شمس القرشي من أعظم المناوئين للإسلام قبل فتح مكة , وهو الذي أبرم شروط الصلح الجائرة على المسلمين يوم الحديبية , ولكنه بعدما اهتدى إلى الإسلام تحول إلى إنسان آخر.. لقد كان الهدف الذي يسعى له قبل أن يسلم هو أن يكتسب شيئا من مجد الدنيا وعزها, ولم يكن مؤمنًا بالآخرة حتى يحسب لها حسابا , وكان من أجل المجد الدنيوي يقف ضد دعوة الإسلام بإصرار وشدة , لأن الإسلام في نظره يحجب عنه المنزلة الاجتماعية العالية التي وصل إليها, ولكنه بعد أن أسلم أدرك أن الهدف الأعلى للإنسان هو ابتغاء رضوان الله تعالى والسعادةُ الأخروية , وعرف أن الدنيا بما فيها من مال ومجد ماهي إلا معبر للآخرة , فأدرك بثاقب بصره أن الاشتغال بالدنيا عن الآخرة حماقة وطيش , وأن العقل السليم يقتضي منه أن يشتغل بالغاية , وأن يسخر لها الوسيلة , فكان مكبا على الأعمال الصالحة من صلاة وصيام وصدقة وجهاد , حتى مات شهيدا يوم اليرموك رضي الله عنه .
(1) …صفة الصفة 1/731 - 732 .