فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 81

ومن قوة دينه ورسوخ يقينه أنه لم يلتفت للعصبية القبلية , فجعل من نفسه وهو الكبير السن والمنزلة في قومه تلميذا لأحد شباب الأنصار يعلمه القرآن , ولما اعترض عليه في ذلك ضرار بن الخطاب أبان له بأن تلك التفرقة القبلية والاعتزاز بالقوم من أمر الجاهلية , وأظهر فضل السابقين إلى الإسلام وإن كانوا مملوكين فضلا عن أن يكونوا من قبائل أخرى .

من أخبار أبي هاشم بن عتبة رضي الله عنه:

ومن ذلك ما أخرجه أبو عيسى الترمذي والنسائي من حديث أبي وائل رضي الله عنه قال: جاء معاوية إلى أبي هاشم بن عتبة وهو مريض يعوده , فوجده يبكي , فقال: ياخالُ مايبكيك؟ أَوَجع يُشئزك [أي يقلقك] أم حرصٌ على الدنيا ؟ قال: كلا , ولكنَّ رسول الله عهد إلينا عهدا لم آخذ به , قال: وما ذلك ؟ قال: سمعته يقول: إنما يكفي من جمع المال خادم ومركب في سبيل الله, وأجدني اليوم قد جمعت (1) .

وفي رواية: فلما مات حُصِّل ما خلَّف فبلغ ثلاثين درهما , وحُسبتْ فيه القصعة التي كان يعجن فيها وفيها كان يأكل (2) .

فهذا مثل من الخوف من الله تعالى وإحساس قوي ودقة في محاسبة النفس من هذا الصحابي الجليل أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة القرشي , حيث ذكر وهو مريض ما أوصاهم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الزهد في الدنيا والتقلل منها , فبكى من خشية الله تعالى , مع أنه كان من الزاهدين , حيث لم يبلغ ما خلَّفه بعد موته ثلاثين درهما , ولكن من شدة خشيته تصور ماعنده من القليل كثيرا, وهذا دليل على قوة الإيمان وشدة استحضار عظمة الله تعالى والدار الآخرة .

(1) …سنن الترمذي رقم 2328 في الزهد , باب في هم الدنيا وحبها , سنن النسائي 8/218 في الزينة , باب اتخاذ الخادم.

(2) …جامع الأصول 1/612 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت