فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 81

فلما ذهبوا به ليقتلوه قال له صاحب الشرطة: مامنعك أن تأكل من اللحم الذي ذكَّيتَه أنت ودفعتَه إلي ؟ أظننت أني أتيتك بغيره وخُنتك فيما ائتمنتني عليه ؟ ماكنت لأفعل والله , فقال له العالم: قد علمت أنه هو ولكن خفت أن يتأسى الناس بي , وهم إنما ينتظرون أكلي منه ولايعلمون إلا أني إنما أكلت لحم الخنزير وكذلك كل من أريد على أكله فيما يأتي من الزمان يقول: قد أكله فلان , فأكون فتنةً لهم , فقُتل رحمه الله (1)

فهذا الخبر من روائع الأخبار التي حفظها وهب بن منبه اليماني رحمه الله تعالى عن أهل الكتاب, ورواية هذا الخبر وأمثاله جائزة لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"حدِّثوا عن بني إسرائيل ولاحرج" (2) ولكونه موافقا لما جاء في شريعة الإسلام .

وقد كان وهب بن منبه من أوعية العلم , ومن أهل الصلاح والعبادة , وهو من التابعين .

أما ذلك العالم الرباني الذي أخبر عنه وهب فقد كانت همته متوجهة إلى الآخرة وإلى تذكُّر موقفه للحساب بين يدي الله تعالى , فقد تذكَّر أن الله تعالى سائله عن تلك الأمة التي ستقتدي به وسترتكب الإثم بسببه , فحالفه توفيق الله تعالى وهداه عقله السليم إلى أن النجاة من عذاب الدنيا مطلب رخيص لأنه لايعادل ذرة من عذاب الآخرة , وأن سعادة الدنيا لاتعدل ذرة من سعادة الآخرة , فقرر الامتناع من أكل ذلك اللحم مع يقينه بأنه من اللحم الحلال , حتى لايفتن الناس في عصره ومن يأتون بعد ذلك , حيث إنه سيظهر للناس أنه قد أكل لحم الخنزير .

وهذا مثل رفيع في الورع والخشية , وذلك مبني على المحافظة على استقامة الناس وهدايتهم , وهذا مطلب مهم في الإسلام .

(1) …البداية والنهاية 9/4 .

(2) …صحيح البخاري , أحاديث الأنبياء , رقم 3461 (6/496 ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت