ومن ذلك ما أخرجه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن أبي مليكة قال قالت عائشة رضي الله عنها: لما حُضِر أبي رحمه الله دعاني فقال: يابُنَيَّة إني كنت أعطيتك تمر خيبر ولم تكوني أخذتيها وإني أحب أن ترديها علي , قالت: فبكيت , ثم قلت: غفر الله لك يا أَبةِ والله لو كانت خيبر ذهبا جميعا لرددتها عليك , فقال: هي على كتاب الله عز وجل , يابُنَيَّة إني كنت أتْجَر قريش (1) وأكثرهم مالا , فلما شَغَلَتْنِىَ الإمارة رأيت أن أصيب من المال بقدر ما شغلني , يابُنيَّة هذه العباءة القطوانية وحِلابٌ (2) وعبدٌ , فإذا مت فأسرعي به إلى ابن الخطاب , يابُنيَّة ثيابي هذه فكفنوني بها , قالت: فبكيت وقلت: يا أبة نحن [في غِنًى] من ذلك , فقال: غفر الله لك وهل ذلك إلا للمَهَل (3) ؟ وفي رواية أنه قال: الحيُّ أولى بالجديد من الميت.
قالت: فلما مات بعثت بذلك إلى ابن الخطاب فقال: يرحم الله أباك لقد أحب أن لايترك لقائل مقالا (4) .
فهذا مثل آخر من ورع أبي بكر الصديق رضي الله عنه , فقد أراد أن يخرج من الدنيا وهو نَقِيٌّ خالص من الكدر أو مايشبهه , وقد كان يأخذ من بيت مال المسلمين مايكفيه للحد الضروري من المعيشة مقابل تفرغه لأمور المسلمين وترك التجارة , فلما حضرتْه الوفاة رأى أن ذمته لاتبرأ إلا بردِّ ماكان عنده من ذلك وإن كان يسيرا لتوقف عمله لصالح المسلمين بالوفاة , وذلك مبالغة منه رضي الله عنه في براءة الذمة.
(1) لعلها: من أتجر قريش.
(2) أي ناقة حلوب.
(3) أي لمدة قصيرة ثم يبلى.
(4) الزهد / 111.