الصفحة 15 من 58

ولن تجد شأنًا من شؤون الأمة الآن دينًا، ودنيا، إلاّ وجدت فيه من يجاهد أن يخرق، ومن يجاهد أن يحرق، فوضع الرسول صلى الله عليه وسلم الأمة كلها في وجه أولئك المفسدين في الأرض، وحذرنا الدمار والهلاك الشامل للأمة، إذا نحن توانينا أو تقاعسنا أو تخاذلنا أو شغلتنا أموالنا وأهلونا عن ردع أولئك المرجفين في الأمة الساعين فيها فسادًا وهم اليوم كُثْر، لهم من ذي سلطان عون، ولهم من الدهماء عجبٌُ.

(( عن أبي بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: يا أيها الناسُ إِنكم تقرأون هذه الآية:(يأيُّها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلَّ إِذا اهتديتم) . فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( إن الناس إِذا رأَوا الظالم فلم يأخذوا علي يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده ) ) (31) .

إن قول الله تعالى: (عليكم أنفسكم) لا يستقيم فهمه على أنَّ المعنى فيه: الزموا صلاح أنفسكم، ولا شأن لكم بفساد غيركم، فإنهم لا يضرونكم في شيء فإِن فسادهم وبالُُ عليهم هم أنفسهم، وأنتم منه ناجون.

لا يصح أن يكون هذا هو معنى قوله تعالى: (عليكم أنفسكم) لأن ذلك متناقض مع دلالات صريحة لآيات أخرى. ومن النصيحة لكتاب الله تعالى أن تفسر آياته بعضها في ضوء بعض وفي ضوء السنة. وهذه الآية من حقها أن تقرن بقول تعالى:

(يَأيُّها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولاتَمُوتُن إِلاَّ وأنتُم مُسْلمُونَ * واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا) (آل عمران: 102 ـ 103) .

قوله أولًا (اتقوا الله حق تقاته) يوجب أول ما يوجب صلاح الذات وكمالها. وقوله ثانيًا: (واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا) يوجب إصلاح الآخرين وإعانتهم على الكمال. ولذلك جاء قوله (جميعًا) وقوله (لا تفرقوا) فلا يكفي أن يكون الإنسان معتصمًا بحبل الله وحده دون أن يكون اعتصامهم به جميعًا.

الصحيح في فقه قوله: (عليكم أنفسكم) أن لمعناه مجالين: مجال علاقة المسلم بأخيه المسلم، ومجال علاقة الأمة المسلمة بغيرها من الأمم الأخرى.

أما المجال الأول فإن المعنى القويم: أنَّ عليكم أنفسكم بإصلاحها وتهذيبها وتثقيفها بثقافة الدعوة إلى الله فكرًا وسلوكًا وتدريبها على حسن التعليم وحسن الصبر على الدعوة وابتلائها، والاحتساب لوجه الله، لتكمل خصال أنفسكم المسلمة، فإذا ما تحقق ذلك فإنه لن يضركم من ضل عند دعوتكم له إلى الحق بالحسنى، وإن كان قويَّا متسلطًا، فإنكم ستكونون بإصلاح أنفسكم على النحو الذي مضى، قد هذبتموها، وحصنتموها، ودربتموها فلا ينال منكم من ضل إذا اهتديتم إلى حسن إعدادها وتدريبها، وقيامها، بما عليها من فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قولًا وسلوكًا.

أمَّا المجال الآخر: مجال علاقة الأمة المسلمة بغيرها من الأمم، فإنَّ المعنى إنكم يا أيها الذين آمنوا أمة واحدة، منفصلون عمن سواكم متضامنون، متكافلون فيما بينكم، فعليكم أنفسكم. عليكم أنفسكم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت