قال: (( ولا الناس يحبونه لعماتهم ) ).
قال: (( أفتحبه لخالتك؟ ) )قال: لا، والله، جعلني الله فداءاك.
قال: (( ولا الناس يحبونه لخالاتهم ) ).
قال: فوضع يده عليه، وقال: (( اللهم اغفر ذنبه، وطهَّر قلبه، وحصَّن فرجه ) )فلم يكن بعد ذلك الفتى يلفت إلى شيء (19) .
أي منكر هذا الذي يستأذن فيه الفتى؟ وأي منكر يكون ذلك الاستئذان من سيد الأنبياء؟ إنه لمنكر جدَّ عظيم، لا يملك أحد غير النبي صلى الله عليه وسلم إزاءه ذرة من حلم ورفق، ولكنه صلى الله عليه وسلم الرؤوف الرحيم، الذي بلغ في موقفه هذا وكثير غيره، حد الإعجاز لكل ما عداه من الخلق، أن يبلغ ما بلغ في هذا الحلم والصبر الجميل.
وليس الرفق والحلم في تغيير المنكر، بذاهب بصاحبه إلى المداهنة والمصانعة حين يعتدى بذلك عمدًا على حق من حقوق الله تعالى، أو حقوق عباده، بل يكون ذلك حينذاك الحزم والحسم والغضبة لله رب العالمين.
(( عن عروة بن الزبير، عن عائشة ـ زوج النبي ـ صلى الله عليه وسلم: أن قريشًا أهمّهم شأن المرأة التي سرقت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الفتح، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أُسامة بن زيد، حبُّ رسول الله عليه وسلم، فكلمه فيها أسامة بن زيد، فتلوَّن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال (( أتشفع في حدَّ من حدود الله؟ ) )فقال له أسامة: استغفر لي يا رسول الله. فلما كان العشي قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختطب، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال:
أما بعد، فإنما أهلك الذين من قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدَّ. وإني ـ والذي نفسي بيده ـ لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها )) ، ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت، فقطعت يدها.
قال يونس: قال ابن شهاب، قال عروة: قالت عائشة: (( فحسنت توبتها بعد، وتزوجت، وكانت تأتيني بعد ذلك، فأرفع حاجتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، متفق عليه، والنص لمسلم(20) .
كذلك الرفق، وكذلك الحزم في تغيير المنكر، كلُُ في موضعه الذي هو به أليق وأكرم وأجدى وأنفع.
ومما يدخل في باب الرفق والحكمة في هذا، ألا يكون ذلك مواجهة ومصارحة في ملأٍ من الناس، فإنها حينذاك تشهير لا تذكير. يقول الإمام الشافعي: من وعظ أخاه سرًَّا فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه (21) .
وقد جعل الله من عقوبة من عَيَّرَه أخاه بذنب، أن يقع فيه: (( من عَيَّرَ أخاه بذنب لم يَمُتْ حتى يعمله ) ) (23) ، وذلك إذا لم يكن صاحب المنكر مجاهرًا مفتخرًا، به متخذًا فعله رسالة حياته،