الصفحة 40 من 58

قال: حسبت أن قد قال: والرجل راعٍ في ماله أبيه، ومسؤول عن رعيته وكلكم راعٍ ومسؤول عن رعيته )) (متفق عليه، والنص لمسلم) (37) .

فعلى الوالد والزوج وما ضارعهما تغيير المنكر الواقع، ممن هو تحت ولايتهما بيده، وفقًا لما يتناسب مع هذا المنكر، من صور التغيير باليد، فقد يكفي في تغييره إفساد آلته دون اللجوء إلى ما هو فوق ذلك، فكل صورة من صور التغيير تقوم بحق التغيير لا ينتقل إلى ما فوقها.

والوالد والزوج وما ضارعهما، له حق التغيير بكل صور التغيير باليد، دون الحدود، أو ما فيه إزهاق روح، أو إراقة دم، فذلك للإمام بحقه الذي شرعه الله عز وعلا.

الحالة الثانية: أن يكون للمغيِّر ولاية عامة على ذي المنكر، كولاية السلطان على رعيته، فإن لهذا المغير، أو عليه تغيير منكر رعيته باليد، بكل صور التغيير باليد، تغييرًا لا يبقي منه ولا يذر، فيكسر آلات المنكر، أو يزيل عينه أو ما يقوم به، ويتخذ كل ما يحقق له القيام بهذا الغرض قيامًا خالصًا تامًا لله، وليس انتصارًا لسلطانه فإن قاومه ذو المنكر وأعوانه، أخذ على يديهم بما يتناسب مع مقاومتهم، وما يبديها، ولو أدى إلى قتل من قاوم، إن لم يكن من القتل بدَّ.

العجز عن تغيير المنكر باليد، إذا كان لابد منه، لا يتأتى مع حال ولي الأمر، إن كان صادقًا مع الله تعالى.

ولا يدخل في هذا التغيير باليد العلماء، الذين لم تكن لهم نيابة من الوالي، إذا كان الوالي مقيمًا شرع الله تعالى، فولاية العالم في رعاية الوالي المسلم، إنما هي ولاية تعليم، ونصح، وفتوى، وليست ولاية تنفيذ.

أما إن كان الولي الأعلى لا يقيم شرع في حكمه، ويأبى تغيير المنكر، أو يقر أهله عليه، أو يزعم أن ذلك من الحقوق الشخصية المكفولة لهم، بما شرعه هو أو بطانته، أو بما نص عليه، ما يسمى بحقوق الإنسان العالمية، أو كان لا يعترف بأنَّ هذا منكر يجب تغييره، من بعد أن بينَّه له العلماء بيانًا شافيًا، لا يتوقف معه من كان غير ذي هوى، فإنَّ للعلماء بل عليهم فريضة أن يتحدوا وأن يغيروا المنكر، بأيديهم، دون البلوغ به حد إزهاق روح، أو إراقة دم، فإن خافوا فتنة بهذا أضر بالأمة من هذا المنكر، فإنهم أهل الحكمة، يقدرون الأمور بمقاديرها، ويقدمون الأهم على غيره.

وقد كان (( ابن تيمية ) )يغير المنكر، هو وأعوانه بيديه ـ كما يحكي (( ابن كثير ) )في أحداث عام (669 هـ) ـ فقد كسر آنية الخمر في الحانات، ومزق أوعيتها، وأوراقها، وفرح الناس بذلك.

ولولا أن السلطان في عصره، لم يكن يقيم الشرع، ويغير المنكر، ما كان لابن تيمية الفقيه أن يعتدي على حقه، وهو العليم بذلك الحق.

فلإمام العلماء في مثل هذا، أن يقيم تغيير المنكر، حين يتخلى الوالي عن حقه، ويهدر حق الشرع. وليس للعامة أن تفعل ذلك، إلا بمعونة العلماء وفتواهم، وتحت إرادتهم الراشدة الحكيمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت