الصفحة 14 من 24

منهجٌ دقيق يُمثّل جميع صور القسط والعدل مع القريب والبعيد، وينهى عن جميع صور الجور والظلم مع كلِّ أحد، فـ"الظلم محرم بكل حال، فلا يحل لأحد أن يظلم أحدًا، ولو كان كافرًا" (28) .

ومن لطائف هذا الباب ما رواه جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: (( أفاء الله ـ عز وجل ـ خيبر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كانوا، وجعلها بينه وبينهم، فبعث عبد الله بن رواحة فخرصها عليهم، ثم قال لهم: يا معشر اليهود أنتم أبغض الخلق إليّ، قتلتم أنبياء الله ـ عز وجل ـ، وكذبتم على الله، وليس يحملني بغضي إياكم أن أحيف عليكم، قد خرصت عشرين ألف وسقٍ من تَمْرٍ، فإن شئتم فلكم، وإن أبيتم فلي، فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض، قد أخذنا فاخرجوا عنا ) ) (29) .

وفي عصرنا هذا الذي عزّ فيه الإنصاف، يحتاج الداعية إلى الرجوع إلى منهج المحدثين ليزن الأمور كلها بالميزان القسط، حيث أصبحت الأهواء هي التي تتحكم في الآراء والتوجهات، حتى إن الإنسان قد يتغاضى عن أخطاء من يحب ـ مهما كانت كبيرة ـ ويزينها، بل تتحول هذه الأخطاء إلى محاسن ويجعل محبوبه في أعلى المنازل ولا يقبل فيه نقدًا أو مراجعة!

وفي المقابل تراه إذا أبغض أحدًا ـ لهوى في نفسه أو تقليدًا لغيره ـ جرّده من جميع الفضائل، ولم ينظر إلا إلى سيئاته وزلاته يضخمها، وينسى أو يتناسى محاسنه الأخرى مهما كانت بيِّنة، بل قد تتحول المحاسن ـ المتفق على حسنها ـ إلى سيئات، لغلبة الهوى والبغض، والعياذ بالله!

قال الإمام ابن القيم:"واللّه ـ تعالى ـ يحب الإنصاف، بل هو أفضل حِلية تحلّى بها الرجل، خصوصًا من نَصَّب نفسه حكمًا بين الأقوال والمذاهب، وقد قال الله ـ تعالى ـ لرسوله: (وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ) [سورة الشورى:"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت