القراءة، والتي كان يتقنها كل عربيٍّ في ذلك الأوان، فكان قول جبريل - عليه السلام - ... (اقرأ) أمرًا من رب العالمين، الذي إن أراد شيئًا قال له كن فيكون. وهذه القدرة التي أُلقيت في ذات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يشترك فيها مع غيره من الناس، ولذلك هي سُنَّة عامة قدّرها الله في ذات كل إنسان، ليستعين بها في جمع وضمّ مايطّلع عليه من آياتٍ مَسْطُورةٍ أو مَقْروءة، ليَصِل بقراءتها إلى معرفة الله مثلما ذلك الأعرابي
ومما يواكب هذا البيان في استخدام الباء مع كلمة (اسم) أن الله تعالى أضاف إليه لفظ الجلالة في البسملة فقال: (بسم الله) ، وفي سورة العلق عدل عن لفظ الجلالة إلى كلمة (ربك) فقال: (باسم ربك) وهذه المغايرة بين الكلمتين تم النظر فيها إلى سياق كلّ منهما، وهو ما يؤيد ما ذَهْبنا إليه في بيان دلالة الباء في الموضعين، فالقرآن الكريم كلام الله تعالى، وكلامه سبحانه كذاته غير مخلوق، فكان تيسير القرآن للذكر فيضًا من فيوضات الأ لوهية التي لايملك الإنسان في مقدّرات خلقه الدنيوية مايؤهّله لإدراك كلام الله، أمّا في سورة العلق فإنّ القدرة على قراءة مظاهر الكون وما يخطه الإنسان بيمينه قدرة مُدْرجة في أصول تسوية خلق الإنسان، ومع هذه الأصول (الفطرة) يتجلّى معنى الربوبية، لدلالة الرّب على المتكفّل والقائم على صيانة ورعاية أحوال المربوبين.
فالله في ذاته ليس له حدٌّ محدود، فهو ليس كمثله شئ ولا تدركه الأبصار، فإذا دعوناه بربِّ العالمين كان النظر متوجّهًا فقط إلى ذلك الفيض اليسير من عطائه سبحانه، والذي قامت عليه حقائق الوجود فيما يشهده الإنسان بحواسّه من مظاهر الخلق في نفسه وفي السماء، ومن ذلك حقيقة قدرة الإنسان على القراءة، التي هي مظهر من مظاهر الربوبية.