الصفحة 17 من 68

الرابع: ومن حيث اللغة، فإن قول المفِّسرين:

(علق) جمع علقة، لأنه أراد بالإنسان كل إنسان، قول واهٍ، لأن إفراد كلمة (الإنسان) لا يتوجَّه إلى إنسان بعينه، إنما يتوجَه إلى كل إنسان، أي أن هذا المفرد ينضوي تحته الناس جميعًا، لأن النظام الذي قام عليه خلق الإنسان نظام واحد، تمّت صياغة كل فرد وفق ما في هذا النظام من تقديرات، ومن ذلك أن خلق الإنسان يمر بعلقةٍ واحدة، وليس بعلقات عديدة، وكان تأويل (علق) بأنها جمع لكلمة علقة خروجًا عن ذلك النسق العام، مما يجعل البيان بيانًا ركيكًا لا تجوز نسبته إلى الكتاب الذي بلغ الذروة في روعة البيان.

وبعد هذا التوثيق في ردِّ تأويل (علق) بالعلقة أجد السبيل مفتوحًا لاختيار دلالة العلق على الالتصاق والتعلّق بالشئ، وهو اختيار يفرض علينا بيان وجه ارتباطه بالسياق الذي وردت فيه، وهو كما يلي:

* قال الله تعالى:

{خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} الأنبياء: 37

والعَجَل الذي خُلِقَ منه الإنسان ليس ماءً ولاطينًا ولاأيًّا من تلك المواد التي ينبنى منها جسد الإنسان، إنما هو برنامج نفسي تمّ تركيبه في فطرة الإنسان، ليكون موصوفًا بالعجلة، أي أن العجلة برنامج من برامج تكوين النفس البشرية، التي ألهمها خالقها فجورها وتقواها.

وهذه العجلة ليست حاشية من حواشي تكوين الإنسان بل هي محورٌ من المحاور التي تدور في فلكها طبيعة الإنسان وموقفه من الدنيا والآخرة، وهو قوله سبحانه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت