أي أن صفة الطغيان لا يقع فيها الإنسان إّلا إذا رأى نفسه مُسَتغْنِيًا.
فما هي آيات آليات بناء هذه الحقيقة في الآية الكريمة؟
1.لم يستخدم جل شأنه مؤكِّدًا واحدًا لتأكيد وقوع الإنسان في الطغيان، بل استخدام مؤكدين (إنَّ + اللام) فدلَّ بذلك على ارتفاع مستوى التوكيد، والغاية بيان أن الدلالة أن الحالة الإنسانية أقرب إلى التلبّس بالطغيان حال الاستغناء منها إلى التجّرد منه، ومن شواهد ذلك قوله تعالى:
{وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} يوسف: 103
2.قوله تعالى (رآه) الفاعل فيه والمفعول واحد، وهوالإنسان ذاته، ولوكان التعبيرعلى النسق الذي يستخدمه الناس في بيانهم لقيل: رأى نفسه، ولكنه سبحانه اختار أن يلصق الضمير (الهاء) بالفعل للدلالة على تمكن هذه لرؤية الفاسدة من نفس ذلك الإنسان.
3.واختار جل شأنه لبناء دلالة الآية كلمة (استغنى) فكان لذلك الاختيار مقاصد دلالية، نفصلها فيما يلي:
* أصل كلمة هو: غَنِىَ، دخلت عليها الألف والسين والتاء فأفادت الصيرورة ومثال ذلك قول القائل: استحجر الطين، أي صار الطين حجرًا، وكذلك هو حال الإنسان، فقير يطلب الغنى، فإذا نال طِينْته صار غنيًّا، ولكن الاستغناء وفق هذا المعنى لا يفضي إلى الطغيان، فمتى يكون الاستغناء مٌطْغِيًا؟
بيان ذلك يرسمه بناء الجملة في الآية، إذ جاءت جملة (استغنى) في محل نصب مفعول به ثان للفعل رأى، أي أن ذلك الإنسان رأى نفسه مستغنيًا غير محتاجٍ لأحد، ليكون بهذه الفكرة فاقدًا لمعنى (العلق) أي التعلّق بالله الذي بيده ملكوت