معًا، أما الآخرة فيوافقها معنى الاحتراق بالنار، لورود ذلك صريحًا في كتاب الله. وقد ذٌكْرت الناصية تحديدًا، وهي جزء من جسد الإنسان، من قبيل المجاز المرسل الذي يٌذْكر فيه الجزء ويٌرَاد به الكلّ. وأما السفع بالنار في الحياة الدنيا فلا وجه لإقراره، لأن العذاب بالنار لايكون إلا يوم القيامة. وهنا يأتي المعنى الثاني للسفع، وهو القبض على الشئ وجذبه بشدة. وهذا المعنى يستدعي بيان موقع ناصية كل إنسان في الحياة الدنيا من أمر الله.
قال الله تعالى على لسان هود - عليه السلام:
{إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} هود: 56
آخذ بناصيتها: مٌمٌسكٌ بها بيد قدرته، وقد استغرق البيانٌ كل دابة في الأرض، إنسانا ً كانت أم حيوانًا، وكأنه سبحانه بهذا الأخذ إنما يأخذ بيد هذه الدابة أوتلك إلى جملة تقلبات أحوالها في الحياة الدنيا، ويختصّ الإنسان بأنه يملك قَدْرًا من التصّرف بهذه الناصية، فيجعلها قائداّ له يقوده إلى ما يوافق مٌراد الله، أو إلى ما يخالف ذلك المراد
ومع ذلك فإن هذه الناصية خاضعة لتصّرف ربّ العالمين، لاتملك أن تنفلت مما قدّره الله في خلقها من قوانين، أي أنه سبحانه قد يحول بين ذات الإنسان وبين قدرته على توجيه فعاليات ناصيته إلى وجهةٍ مغايرة لسنن خلق الإنسان، ومن أدلّة هذه الحقيقة قوله سبحانه:
{وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} الأنفال: 24