ودليل ذلك أن المرء قد يقول قولًا يراه صدقًا، وواقع الحال أنه قول كاذب، فلا يؤاخذ بذلك القول مع أنه كذب، لأن الناصية لم تتوجه إليه وهي تعلم أنه كذب، ولذلك لا توصف، بأنها كاذبة.
فالكذب والخطأ صفتان للناصية وليستا للقول والعمل، وهما لا يوصفان بذلك إلاتبعًا لحصولها في الناصية. فإن القول إذا كان كاذبًا فإنه قبل أن يصدر عن صاحبه كان فكرة جالت في الدماغ، فاختارت الناصية تنفيذها، فنفّذها اللسان. وإذا كان العمل خاطئًا فإنه قبل تنفيذه أيضًا كان فكرة جالت في الدماغ، فاختارت الناصية تنفيذه، فنفذته الجوارح. ولذلك فإن وصف الناصية بأنها كاذبة خاطئة لا يتوجه فقط إلى القول والفعل، بل يتوجه أساسًا إلى طبيعة العمليات الفكرية التي تتخذها الناصية، والتي تأخذ مسارين، الكذب والخطأ:
الكذب: أن تعلم الحق والصدق فتختار مخالفته إلى ما ليس بحق وصدق ويتساوى في هذا المسار القول والعمل، أما القول وصفة الكذب فيه أجلي من أن تحتاج إلى بيان، وأما العمل فهو أن تعمل عملًا يراه الناس خشوعًا وخضوعًا لله، وحقيقة الأمر أنك أردت به المراءاة وأن يتحدث الناس عنك، أي أنك بذلك الخشوع الظاهري إنما كنت تكذب على الناس.
الخطأ: بغَضِّ النظر عمّا ذٌكر من فرق في الدلالة بين الكلمتين خاطئ ومٌخْطئ، فإن أصل الكلمة يشير إلى مستوى آخر من مستويات مخالفة الحقائق، فإذا كان الكذب مخالفة مقصودة، فإن الخطأ مخالفة غير مقصودة في القول وفي العمل، وكل منهما، أي القول والعمل، يبدأ في أول أمره فكرة تجول في الدماغ، يظنّ صاحبهما أن لا بأس بها، فيّتبين له بعد تنفيذها ورؤية آثارها أنها لم تكن صوابًا.