الصفحة 52 من 68

* واختيار دلالتي الكذب والخطأ تم بهما استقصاء كل العمليات الفكرية التي يقوم عليها طغيان الإنسان، فالطغيان إمّا أن يكون متعّمدًا وهي دلالة (كاذبة) وإمّا أن يكون عن غير قصد (خاطئة) ، فتحقق بهاتين الصفتين لون آخر من ألوان الشمولية في سورة (العلق) .

ولو أردنا أن نعتمد ما ذكر من أن (خاطئة) صفة لما كان متعمدًا من الذنوب، وأن ماكان بغيرعمْد فليس بذنب، أقول: لو اعتمدنا ذلك لما ابتعد المستوى الدلالي عما فصَّلناه قبل قليل، إذ أن الإنسان قد يفعل فعلًا خاطئًا، ويصر عليه إصرارًا بالغًا، وهو خال من نية العَمْد، أي لا ينادى به وهو يعلم أنه إنما ينادى بالباطل، إنما ينادى به ظانًا أنه على حق، وحقيقة الأمر أنه خاطئ، وليس لنا أن نقول: مخطئ، لأن المخطئ هو الذي يأتي الذنب وهو يعلم انه ذنب.

ومن شواهد الذي ذكرناه في الأسطر السابقة ما كان من شأن الخوارج الذين كانوا يرون أن من كان على رأيهم فهو على الحق ومن كان على غير رأيهم كان كافرًا، حتى أنهم كفروا الإمام على بن أبي طالب كرم الله وجه، الذي قال فيهم بعد أن طعنه الخارجي ابن ملجم:

وتقاتلوا الخوارج بعدي، فليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأصابه.

3.مقامات الصفتين

من سمات البيان في القرآن الكريم حال الجمع بين متعدد أن يكون التقديم والتأخير أمرين مقصودين، وفي هذه الآية اجتمعت صفتان، فجاءت إحداهما مقدمة على الأخرى: (كاذبة خاطئة) ، فكان تقديم كلمة (كاذبة) إشارة إلى أنها

الوجه الأكبر للطغيان. وقد شهد بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قوله:

(وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدى إلى النار. وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابًا) . رواه البخاري ومسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت