{وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ} يوسف: 32
وسنقوم بدراسة هذه الحالة من خلال استقراء الحالة النفسية لامرأة العزيز، التي رسمتها هذه الكلمات رسمًا دقيقًا
إن تهديد امرأة العزيز ليوسف - عليه السلام - لم يكن وليد بغض له، بل كانت راغبةً فيه، وربما إلى الحدّ الذي جاء على لسان نسْوة في المدينة، وهو قولهنّ
(قد شغفها حّبًا) . فجماله - عليه السلام - وأدبه يقتحمان النفس اقتحامًا لا تملك معه النفس إّلاأنْ تكون مأسورة له، وهاهن النساء اللائي لٌمْن امرأة العزيز يقطعن أيديهن، ويقلن:
{حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (31) } يوسف: 31
ولذلك نجد امرأة العزيز تؤكد الفعل الأول (ليسجننّ) بالنون الثقيلة إشارة إلى امتلاء نفسها بإرادة حَبْسه إن لم يفعل ما تأمره به. وعندما جاءت إلى التهديد الثاني أكّدته بالنون الخفيفة، إشارة إلى إيمانها بأن حسنه وخلقه سيحميانه من مٌطْلق الصَّغار، أي الذلة وأن هذا الصغار سيقف فقط عند حدّ كونه سجينًا، وقد جاء رسم النون على هيئة مخصٌوصة تتّضح من خلالها مساحة ذلك الإيمان. فإذا كانت الزيادة في المبني تستدعي الزيادة في المعنى كما يقول أهل اللغة فإن تخفيف نون التوكيد الخفيفة حٌذف معها مستوى آخر من التوكيد، وهو ما كان في الآية حذفت صورتها وبقى صوتها.
ومن هذا الوجه كان رسم نون التوكيد ألفًا في (لنسفعأ) حذفت صورتها وبقى صوتها، فكان بقاء الصوت دعمًا وتوثيقًا لدلالة التأكيد، وكان حذف الصورة توجٌّهًا للدلالة على أن ذلك السفع خفيّ، لا يدرك الإنسان آليته في نفسه، ورغم ذلك فإنه أمر يقيني أكّدته كل تلك الأدوات.