الصفحة 56 من 68

ندرك مما سبق أن للآيتين مستوى دلاليًا خاصًا، يوثّق ما كان مع الإنسان النموذجي محمد - صلى الله عليه وسلم -، ومع ذلك فإنه لا يجوز بأيّ وجهٍ من الوجوه قصر الدلالة على هذا المستوى، لأن السورة من مبدأها إلى منتهاها توجَّهت إلى تلخيص الحالة الإنسانية في جملة من المسارات الدلالية المتّسمة بالشمولية، وهو مايستوجب توجّه الآيتين السابقتين إلى عموم الحالة الإنسانية مع حفظ خصوصية محمد - صلى الله عليه وسلم -

(فليدع ناديه)

بالنظر إلى قول أبي جهلٍ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم: أتهّددني وأنا أكثر أهل الوادي ناديًا، ندرك أنه لا يتوجه إلى المجلس الذي تجتمع فيه بطون قريش (دار الندوة) لأن أهل ذلك المجلس له ولغيره، فلا وجه لاختصاصه بهم من دون غيره من الناس. وعلى ذلك فإن قوله: أكثر أهل الوادي ناديًا، يناظر قوله تعالى في تعليل طغيان الإنسان: (أنْ رآه اسْتَغْنى) والغنى يكون في المال وفي السلطان وفي الرجال (العشيرة) وهو ما كان عليه أبو جهل. ومع ذلك فأن سبحانه (ناديه) يتوجه إلى رجال العشيرة الذين يستنصر بعضهم ببعض، وكون أبي جهل أكثر أهل الوادي ناديًا يعني به أنه إذا نادى على عشيرته نادى كثيرًا، وذلك لكثرة الرجال فيها.

فردّ عليه سبحانه بأنه سينادي الزبانية لمواجهته مواجهة نادية. وهذا هو حال المعركة بين الحق والباطل على مرِّ العصور، إذ يغتر الإنسان، حال كونه طاغيًا، بما يملكه من سلطان ورجال ومال، فيطمع في ردِّ أخيه الإنسان عن الصلاة بمدلولها الخاص والعام. وهنا يأتي البلاغ من رب العالمين، وهو قوله:

(سندع الزبانية)

ندع: فعل مضارع والفاعل ضمير مستتر تقديره نحن، وأصل الفعل: ندعو، حذفت منه الواو مع أنه لم تقع عليه علة توجب حذف الواو مثلما الحال مع الفعل،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت