كما سبق من قواعد الترجيح فلا يمكن بحال أن تعارِض طريقة من طرق التوفيق، وصنيعهم هذا بتقديم الجمع على هذه القاعدة وغيرها من قواعد الترجيح هو الصواب بإذن الله، لا ما فعله الشيخ رحمه الله من معارضة الجمع بهذه القاعدة وتقديمها عليه. وسوف أستأنس بمثال من كلام الشيخ رحمه الله في الجمع بين الأدلة ليتضح المراد للقارئ الكريم، الذي ربما يستغرب أن يكون هذا المثال متعلقًا بمسألة صيام يوم السبت بعينها ففي الشريط رقم (542) من سلسلة الهدى والنورطرح الشيخ علي حسن إشكالًا مفاده أن الشيخ الألباني صحح حديثًا فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على رجل صام السبت فقال له أصمت أمس؟ قال: لا فقال له: صيام السبت لا لك و لا عليك. فما هو التوجيه لهذا الحديث الذي يفهم منه إقرار النبي عليه الصلاة والسلام له بالجمع دون الإفراد؟ قال الشيخ علي: القصد شيخنا أن هذه الجملة صدرت من النبي عليه الصلاة والسلام عقب جواب الصائم أنه ما صام بالأمس أو أمس، فبالتالي قال له لا لك و لا عليك، أما لو أنه قال أنه صام بالأمس ف .. الشيخ: ... لكن هل يوجد هذا اللفظ؟ فأجاب الشيخ علي أنه غير متأكد. الشيخ: حينئذ يؤجل البحث حين تجد ذلك ... وحينئذ لكل حادث حديث.
وفي الدقيقة 40:15 وما بعدها قرأ الشيخ علي نص الحديث على الشيخ وهو: (عن الصماء أنها دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم السبت وهو يتغدى فقال: تعالي تغدي فقالت: إني صائمة فقال لها: أصمت أمس؟ قالت: لا قال: كلي فإن صيام يوم السبت لا لك و لا عليك) فحكم الشيخ على هذا الحديث بأنه منكر لضعف سنده أولًا ثم لمخالفته للثقات الذين رووا عن الصماء بدون هذا التفصيل، ثم قال ـ وهنا الشاهد ـ: ولو صح هذا التفصيل قضي الأمر الذي فيه تستفتيان.
إذًا فالشيخ رحمه الله لو صح عنده هذا التفصيل كان سيغير رأيه ولن يبقى على القول بحرمة صوم السبت في النفل مطلقًا ـ هذا ما يفهم من كلامه ـ، فربما غير رأيه إلى القول بجواز صيام السبت في التطوع إذا صيم الجمعة قبله ويكون بذلك قد أخذ بحرفية التفصيل المذكور، أو سيغيره إلى القول بجواز صيام السبت ما لم يفرد بالصيام ليوافق بذلك من سبقه من الأئمة، هذا مع أن هذا الحديث المفصل مبيح كباقي الأحاديث المبيحة التي قدم عليها الشيخ حديث النهي بناء على قاعدة تقديم الحاظر على المبيح، فهل خالف الشيخ بذلك قواعد أصول الفقه؟ لا، بل هو في هذا قد جمع بين الحديثين مثله في ذلك مثل الأئمة من قبل الذين جمعوا ليس فقط بين هذا الحديث الواحد بل بين الأحاديث المتكاثرة جدًا التي يفهم منها إباحة صيام يوم السبت وبين حديث النهي.