الصفحة 4 من 32

عنهم صيام السبت ـ بلا إنكار عليهم من أحد ـ و ذلك إما لكونهم كانوا يصومون صيام داود عليه السلام أو يسردون الصوم.

و أما من ظهر له عكس ذلك فسوف نناقشه في الشق الفقهي، و لكن مما يجدر ذكره قبل ذلك أن الذين قالوا بشذوذ الحديث أو نسخه قد أقروا ضمنًا بصحة سنده، لكن لما رأوا متنه مخالفًا للجم الغفير من الأحاديث المبيحة لصيام السبت ولم يجدوا سبيلًا لحمل حديث النهي على معنىً تزول به مخالفته الظاهرة لأحاديث الإباحة، قالوا أنه شاذ غير محفوظ أو قالوا أنه منسوخ بتلك الأحاديث، يدل على ذلك قول ابن تيمية في الاقتضاء ج 1/ 263:

(واحتج الأثرم بما دل من النصوص المتواترة على صوم يوم السبت، ولا يقال يحمل النهي على إفراده لأن لفظه لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم، والاستثناء دليل التناول وهذا يقتضي أن الحديث يعم صومه على كل وجه وإلا لو أريد إفراده لما دخل الصوم المفروض ليستثنى فإنه لا إفراد فيه فاستثناؤه دليل على دخول غيره بخلاف يوم الجمعة فإنه بين أنه إنما نهى عن إفراده، وعلى هذا فيكون الحديث إما شاذًا غير محفوظ وإما منسوخًا وهذه طريقة قدماء أصحاب أحمد الذين صحبوه كالأثرم وأبي داود)

بعبارة أخرى، فإن حديث النهي صحيح الإسناد إلا أنه مخالف للأحاديث الكثيرة المبيحة لصيام السبت، فلو أمكن حمل حديث النهي على النهي عن إفراد السبت بالصيام لزالت هذه المخالفة و لَرُفِعَ التعارض بين الأحاديث، إلا أنهم قالوا أن لفظ حديث النهي لا يقبل حمله على هذا المعنى فيكون الحديث مخالفًا لبقية الأحاديث فيكون حينئذ شاذًا غير محفوظ.

و قولهم عن الحديث أنه شاذ لا يعنون بذلك أن في رواته ضعيفًا أو متهمًا، بل رواة الشاذ ثقات، فالشاذ كما قال الشافعي رحمه الله (ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة ما لا يروي غيره. إنما الشاذ أن يروي الثقة حديثًا يخالف ما روى الناس) انتهى نقلًا من مقدمة ابن الصلاح.

أما القائلون بالنسخ كأبي داود رحمه الله فقد قال الحافظ في التلخيص 2/ 216 ـ 217:

(وادعى أبو داود أن هذا منسوخ؛ ولا يتبين وجه النسخ فيه. قلتُ [أي الحافظ] : يمكن أن يكون أخذه من كونه صلى الله عليه وسلم كان يحب موافقة أهل الكتاب في أول الأمر ثم في آخر أمره قال خالفوهم، فالنهي عن صوم يوم السبت يوافق الحالة الأولى [لأن السبت عيدهم و يوم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت