-وأمَّا الشُّبهةُ الثَّانية -
وهي الشُّبهةُ في الفعل
وتسمَّى شبهةُ اشتباه؛ فهي أن يكون وقعَ للواطئ اشتباهٌ في نفسِ الفعل: أي الوطء واشتبه عليه كونُه محرَّمًا، من دون أن يكون اشتباهٌ وملكٌ في المحلّ، بل حرمةُ المحلِّ تكونُ مقطوعًا بها إذ لم يقمْ دليلُ ملكِهِ عارضَه غيرُه؛ ولذلك لا يحدُّ فيه مَن ظنَّ حلّه، أو ادِّعى ظنُّهُ به، ويحدُّ به غيره؛ لأنَّ هذه الشُّبهةُ تقتصرُ على مَن وجدتْ به، ويحدُّ إن قال: علمتُ أنه حرام.
هذا هو الفرقُ بين الشُّبهتَيْن، وفرقٌ آخرَ وهو أنه يثبتُ النَّسبُ في الشُّبهةِ الأولى إن ادَّعى الواطئُ ذلك، إلاَّ إن عارضَهُ عارضٌ لكونِ النَّسبِ ممَّا يُحتاطُ في إثباتِه، والمحلُّ محلُّ اشتباه، ولا يثبتُ في الثَّانيةِ وإن ادَّعاهُ إلاَّ أن يقومَ دليلٌ آخر؛ لأنه تمحَّضَ زنا، فإنَّه لا حقَّ له في المحلّ، وسقوطُ الحدِّ إنّما هو بعارضِ الاشتباه.
وقد استثني من الأُولى وطءُ الجدِّ جاريةَ ابنِ ابنِهِ وابنُهُ حيّ، فإنّه لا يثبتُ فيها النَّسب، وإن ادَّعاهُ الجدّ؛ لأنَّ الجدَّ لا يتملَّكُها في حياةِ ابنِه (1) ، نعم؛ إن صدَّقهُ ابنُ الابنِ عتقَ الولدُ عليه (2) لزعمِه أنه عمّه. كذا حقَّقَ ابنُ الهمامِ في (( فتح القدير ) ) (3) . وغلَّطَ ما ذكرَ صاحبُ (( النِّهاية ) ) (4)
(1) أي لأن الجدَّ يكون محجوبًا بحياة ابنه وهو أب ابن الابن.
(2) أي يعتق على ابن الابن لحق القرابة.
(3) فتح القدير )) (5: 37 - 38) ، وتفصيل هذه الصورة فيه.
(4) هو شرح (( الهداية ) )لحسام الدين، حسين بن علي السِّغْنَاقي، نسبةً إلى سِغْناق بالكسر بلدةٌ بتركستان، وحسين اسمه حسن، وكانت وفاته على ما في (( كشف الظنون ) ) (2: 2032) سنة (710) ،وعلى ما في (( مدينة العلوم ) )سنة (711) ، أو سنة (714) ، وقيل سنة (676) . رحمه الله.
وأضيف: قال السيوطي: كان عالمًا فقيهًا، نحويًّا جدليًّا، ومن مؤلفاته: (( شرح التمهيد في قواعد التوحيد ) )لأبي المعين المكحولي، و (( الكافي شرح أصول البزدوي ) ). ينظر: (( تاج التراجم ) ) (ص 160) ، (( الفوائد ) ) (ص 106) .