فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 37

فلا يجوز أن يُترك القاضي لاجتهاده بين الآراء الفقهية المختلفة ليختار هو منها ما يقضي به، لأنَّ هذا الإطلاق يتنافى مع مبدأ علنية الشرائع الذي يوجب أن يكون الملكف في كل مجتمع نظامي (دولة) على علم مسبق بمصير أعماله و تصرفاته في حكم النظام الذي سيقضي به القاضي له أو عليه، و إلا كان القضاء فوضى، و المكلف لا يعرف كيف يتصرف مطيعا للنظام، لأنه لا يستطيع أن يتنبأ مسبقا بموقف القضاء من تصرفاته مادام القاضي سيقضي باجتهاده هو واختياره، و ليس بحكم معلن معروف.

هذا، و إن اختيار بعض الآراء الفقهية في وقت ما لتقنينه و توحيد الحكم القضائي عليه لا يمنع تغير هذا الاختيار، واستبدال غيره به من الآراء الفقهية الأخرى كلما تبدلت الظروف و الحاجة، أو رؤي غيره أصلح منه.

و هكذا تتحقق للأمة مصلحتان: توحيد الحكم القضائي و هو أمر ضروري، و الاستفادة من جميع المذاهب الفقهية.

و هذا الأمر-أعني: تقنين الفقه و توحيد الحكم القضائي فيه من بين مختلف الآراء الفقهية- موضوع عميق و ذو ملابسات تعصبية، فبعض العلماء لا يقبلونه، و يريدون إطلاق الاجتهاد للقاضي في أحكامه دون مبالاة بمحاذير هذا الإطلاق، و منافاته لمبدأ علنية النظام و وقواعده، و مجال القول في هذا الشأن واسع، ويكتفى بهذه الإشارة.

والعوائق الأساسية الذي تحول دون توحيد الحكم القضائي هي:

الأول: هو التعصب المذهبي في بعض البلاد؛ الذي ساد فيها أحد المذاهب و حجب عنها مزايا المذاهب الأخرى، فصارت دراسة الفقه مذهبية لا مقارنة.

الأمر الثاني: اتجاه فريق من المسؤولين و المثقفين ذوي النفوذ في بلاد عربية أو إسلامية أخرى ممن عمل فيهم الغزو الفكري الأجنبي عمله، فجهلوا واحتقروا قيمة تراثهم الفقهي المنقطع النظير، و يريدون تقنينا أجنبيا، إذ يرون أن كل تقليد للغرب، أو استمداد من حضارته الأجنبية في المظهر أو في الجوهر الحضاري هو عنوان التقدمية، و هذا نتيجة بعدهم عن الإسلام علما و عاطفة و صبغة حضارية، و هذا السبب نسميه: الاستغراب.

ـ فأما السبب الأول (التعصب المذهبي) فهو بحمد الله في هذا العصر آخذ في الاضمحلال، إذ أصبح الانفتاح على المذاهب الفقهية جميعا من سمات الفقيه المعاصر النَّير، و محلا للتقدير.

ـ و أما السبب الثاني و هو الاستغراب فعلاجه أن يوضح للمسؤولين وسائر المستغربين قيمة تراثهم الفقهي و أصالته و سعته و سموه و دقته و امتيازه حتى يدركوا قيمته، و يتجهوا إليه، نتيجة لشعورهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت