وإذا انقسم المسلمون إلى دول إقليمية وحكومات متعددة، بسبب بعد المسافة بين البلاد، أو لصعوبة حكم تلك البلاد بسلطة واحدة، أو لنفور بعض الحكام من حكام آخرين، فإن هذا كله لا يسوغ العدول عن تطبيق أحكام الشريعة الإلهية، أو الأخذ ببعض أحكامها دون بعض، أو هجرها برمتها لأيدولوجيات وفلسفات أخرى، لأن شريعة الله واجبة التطبيق في كل حال ومكان وزمان، لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء:59] .
ووحدة الحكم الإلهي يستتبع وحدة الدولة، ووحدة الأمة، ووحدة النظام، وقد حذر القرآن الكريم من تنازع الأمة في القضايا الأساسية العامة، حتى لا تضعف أو تتخاذل أو تذل وتهان أمام أعدائها، فقال الله تعالى: {وَأَطِيعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال:46] .
وقال سبحانه: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} [النساء:105] .
إن أسباب الدعوة إلى وحدة النظام التشريعي أو القانوني بين المسلمين كثيرة ومن أهمها:
1 -المسلمون أمة واحدة: لقد حقق المسلمون عزة لا تطال، وهيمنة وتفوقًا عظيمًا بالغ الشأن، حينما أدركوا أنهم أمة واحدة، وإخوة في العقيدة الواحدة، وصف واحد متضامن أمام الأعداء، متكافلون فيما بينهم في السراء والضراء، متعاونون على البر والتقوى، متمثلون بقول الله تعالى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ [آل عمران 110] .
ومنشأ هذه الوحدة: هي أخوة الإيمان والعقيدة التي هي أقوى وأخلد وأدوم من أخوة النسب، ثم تآزر الإخوة وتعاونهم، قال الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات:10] .
2 -وحدة العقيدة: المسلمون أمة ذات عقيدة واحدة، وإيمانهم واحد معروف، فهم يؤمنون بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر وبالقضاء والقدر خيره وشره.
والإيمان بالكتب كلها وبخاتمتها القرآن الكريم يستدعي الالتزام بمضمون القرآن، ويوجب تطبيق شرعه وأحكامه وحرامه وأخلاقه وآدابه وكل ما جاء فيه، ووحدة هذا الكتاب الإلهي من أقوى الأسباب المؤدية إلى وحدة المسلمين، وكونهم صفًا واحدًا فيما بينهم وفي مواجهة أعدائهم.