المبحث الثاني
الاختصاص المكاني للنظام الجنائي في الشريعة الإسلامية، وفي قانون دولة الإمارات
المطلب الأول: عالمية التشريع الجنائي وإقليميته [1] :
قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [سبأ:28] .
دلت هذه الآية على عمومية رسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهي شريعة عالمية، جاءت للعالم كله لا لجزء منه، وللناس جميعًا لا لبعضهم، فهي شريعة الكافة لا يختص بها قوم دون قوم، ولا جنس دون جنس، ولا قارة دون قارة، وهي شريعة العالم كله، يخاطب بها المسلم وغير المسلم، وساكن البلاد الإسلامية، وساكن البلاد غير الإسلامية.
ولكن لما كان الناس جميعا لا يؤمنون بها، ولا يمكن فرضها عليهم فرضا، فقد قضت ظروف الإمكان أن لا تطبق الشريعة بما فيها الأحكام الجنائية إلا على البلاد التي يدخلها سلطان المسلمين دون غيرها من البلاد، وهكذا أصبح التشريع الجنائي مرتبطًا بسلطان المسلمين وقوتهم؛ فكلما اتسعت الأقاليم التي يتسلط عليها المسلمون اتسع نطاق تطبيق التشريع الجنائي، وكلما انكمش سلطانهم انكمشت الحدود التي تطبق فيها الأحكام الجنائية.
ولهذا نستطيع أن نقول: إن التشريع الجنائي في أساسه تشريع عالمي إذا نظرنا إليه من الوجهة العلمية، ولكنه في تطبيقه تشريع إقليمي إذا نظرنا إليه من الوجهة العملية.
وقد نظر الفقهاء إلى هذا الاعتبار حين قسموا العالم كله إلى قسمين:
الأول: ويشمل كل بلاد الإسلام، ويسمى دار الإسلام.
والثاني: يشمل كل البلاد الأخرى، ويسمى دار الحرب [2] .
فيدخل في دار الإسلام كل بلد سكانه كلهم أو أغلبهم مسلمون، وكل بلد يتسلط عليه المسلمون ويحكمونه ولو كانت غالبية السكان من غير المسلمين، ويدخل في دار الإسلام كل بلد يحكمه
(1) ينظر الفقه الجنائي الإسلامي للدكتور عبد القادر عودة 1/ 274، فما بعدها.
(2) قال الحنفية على الراجح و الحنابلة: دار الإسلام: كل بقعة تكون فيها أحكام الإسلام ظاهرة، ودار الحرب: هي ما يغلب فيها حكم الكفر، وقال الشافعية: دار الحرب هي ما استولى عليها الكفار من غير صلح ولا جزية ولم تكن للمسلمين قبل ذلك وما عدا ذلك دار إسلام. غرر الأحكام 1/ 295،كشاف القناع 3/ 43، شرح البهجة 3/ 411، حاشية الجمل 3/ 617.