إن القاعدة العامة في الشريعة الإسلامية أن النصوص الجنائية لا تسري أحكامها على الحوادث التي سبقت إلا بعد صدور النصوص الجنائية وعلم الناس بها، إذ لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، فلا يحكم على أفعال العقلاء قبل ورود الشرع بها، ومقتضى هذه القاعدة أن النصوص الجنائية ليس لها أثر رجعي، وأن الجرائم يعاقب عليها بالنصوص المعمول بها وقت ارتكاب الجرائم.
وما تقدم ذكره هو من حيث الأصل وإلا فقد ذهب جماعة من الفقهاء المحدثين إلى أن لهذه القاعدة استثناءين وردا على مبدأ عدم الرجعية في الشريعة الإسلامية، من هنا سيكون البحث في هذا المطلب على أمرين.
الأول: مبدأ عدم الرجعية في التشريع وموقف الشريعة الإسلامية منه.
والثاني: الاستثناءات الواردة على مبدأ عدم رجعية التشريع الجنائي وموقف الشريعة منها.
وإليك بيان ذلك.
أولًا: المبدأ الشرعي في عدم الرجعية في التشريع:
لم يعرف علماء الشريعة قديمًا هذا مصطلحًا قانونيًا باسم عدم الرجعية، ودخل إلى علماء التشريع المحدثين في العصور الحديثة التي يمكن أن نسميها عصور التقنين ومسايرة التشريع الغربي، وهذا المصطلح يعني أن القانون الجديد ينص على سريان أحكامه على الحوادث التي سبقت صدوره.
وتتمثل الحكمة في الأخذ بهذا المبدأ في عدة اعتبارات:
1 -اعتبارات منطقية لأن الأصل في القانون أن يتوجه إلى المستقبل فلا يعقل أن يتوجه إلى الماضي ومعنى ذلك أنه ألزم الأفراد بقانون لا يستطيعون القيام به لأنه غير موجود.
2 -اعتبارات قائمة على العدالة فليس من العدل أن يعاقب القانون على فعل كان مباحًا.
3 -اعتبارات عملية لأن مبدأ عدم الرجعية يعتبر ضمانة لحقوق الأفراد وعاملا مهما من عوامل استقرار المجتمع والطمأنينة والثقة.
(1) عبد القادر عودة التشريع الجنائي الإسلامي 1/ 2861 فما بعدها، الوجيز في الفقه الجنائي الإسلامي للدكتور محمد نعيم يا سين ص 20، محمد علي محمد ربابعة جامعة آل البيت كلية الدراسات الفقهية والقانونية، رجعية العقوبة في الفقه الإسلامي، http://forum.maktoob.com/t 212499.html، المدخل للعلوم القانونية _الكتاب الأول للدكتور جاسم علي سالم الشامسي ص 387.