التي تمت بين المسلمين وغيرهم للإقامة في دار الإسلام على الدوام، ومن بنود هذه المعاهدة الالتزام بأحكام الشريعة.
وإذا تعددت الاجتهادات الفرعية التي مجالها في الفروع لا في الأصول، فإن القانون الموحد الذي يختار بعض الاجتهادات، يؤدي إلى وحدة تشريعية أيضًا، لأن الاختيار لرأي ما نابع من مراعاة المصلحة العامة، والتجاوب مع مقتضيات العصر والزمان.
والمطلوب من رعايا الدولة الإسلامية الواحدة، مهما تناءت بهم الديار أن يكون ديدنهم الإخلاص لرب العالمين، ولإمام المسلمين الذي لا يأمر إلا بالحق والخير والمعروف، فيسهل تقبّلهم نظام الوحدة أو الاتحاد، من أجل الحفاظ على وجودهم واستقلالهم، والتخلص من أي تبعة لدولة أخرى شرقية أو غربية، لا تبغي من تدخلها في شؤون المسلمين إلا استنزاف خيراتهم، وإبعادهم عن شريعة ربهم، وإبقاءهم أذلة تابعين مهانين، يسيرون في فلك مصالح المستعمرين ومخططاتهم الرهيبة، وينطبق عليهم حنيئذ المثل العربي: (إنك لا تجني من الشوك العنب) .
إن توحيد الحكم القضائي، في الأمة ضروري، و نعني بتوحيد الحكم القضائي وحدة التقنين من الفقه، و ذلك بأن يختار في كل مسألة من مسائل المعاملات من بين الآراء الفقهية فيها-إذا كانت متعددة-ما هو أصلح أو أعدل أو أوجه دليلا أو أيسر تطبيقا، فتقننه السلطة المختصة حتى يكون هو وحده النافذ المعمول به في القضاء.
فهذا التدبير النظامي في أحكام المعاملات بغية توحيد الحكم القضائي فيها هو واجب في طريق إقامة النظام و تحقيق العدل، و لا يتنافى مع تعدد الآراء و المذاهب الفقهية مهما كثرت و اختلفت.
و ذلك كما حصل في وضع مجلة الحكام العدلية في أواخر عهد الدولة العثمانية، حيث اختير أحسن الآراء الفقهية المختلفة من المذهب الحنفي، و صيغت في مواد متسلسلة، و أصدرت سنة 1293 هـ فكانت أول قانون مدني مستمد من الفقه الحنفي، و أصبح بها القضاة و المتقاضون جميعا في الدولة أمام حكم إلزامي واحد في كل مسألة من المسائل و القضايا التي تناولتها المجلة بالتقنين، مهما كانت الآراء في مصادرها الفقهية متعددة و مختلفة.
(1) الأستاذ الدكتور مصطفى الزرقا http://www.ahlalhdeeth.cc/vb/showthread.php?t=127115.