المبحث الثالث
تطبيق التشريع الجنائي مع تعدد دول الإسلام
إن أهم ما يحقق ويتفاعل مع عالمية الإسلام وخاتميته وخلوده هو: وحدة النظام أو القانون، أي وحدة أحكام الشريعة الإسلامية المنزلة من عند الله تعالى رب الكون كله، وهذا كفيل ببقاء المقومات العالمية للأمة الإسلامية، لأنه إذا تعددت الأنظمة أو القوانين الوضعية المتأثرة باليسار أو اليمين، أو الاشتراكية والرأسمالية، أوالديمقراطية ... ، فإنه يصعب في العادة توحيد المحكومين بهذه الأنظمة، لتأثرها بالأهواء والشهوات، والمصالح الذاتية، والعقول المتفاوتة.
المطلب الأول: ضرورة وحدة النظام التشريعي، وأسباب الدعوة إلى وحدته [1] :
إن شريعة الله تعالى شريعة موضوعية محددة، تلتزم معايير الحق والعدل المطلق، ورعاية المصالح العامة للناس جميعًا، على اختلاف أحوالهم وفئاتهم وأعراقهم وتوجيهاتهم، وتأخذ بهم إلى غد مشرق، ومستقبل زاه، ووضع أفضل، لأنها من لدن رب العالمين، الذي يعلم من خلق، ويعلم مصالحهم، وهو الحكم العدل، وهو العليم الخبير، فلا يقصر حكمه لصالح فرد أو فئة معينة دون أخرى، ولا ينحاز لجانب على حساب آخر.
لذا وجب تطبيق أحكام هذه الشريعة، ولاسيما ثوابتها، في كل زمان ومكان، أما تطبيق غير شرع الله فهو عودة لحكم الطاغوت ... والشيطان، والجاهلية الوثنية، قال الله تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة:50]
وإذا كان الناس يحرصون على تقدمهم وسعادتهم، فعليهم رفض أي بديل عن شرع الله، قال الله سبحانه: {أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} [آل عمران:33] .
هذا الإيجاب الدائم الثابت في تطبيق الشريعة يؤدي لوحدة التشريع المطبَّق في الأمة، من غير أي عناء أو تعثر، أو تجاف مع الواقع، أو تباين مع التعددية العرقية، أو تباعد الديار، واختلاف الطبائع.
ومن المعلوم أن وحدة التشريع: هو ما تسعى إليه الدول الحديثة، ولو مع اختلاف القوميات والأجناس والأعراف المتباينة.
(1) الأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي،