ويتسلط عليه غير المسلمين ما دام فيه سكان مسلمون لا يوجد لديهم ما يمنعهم من إظهار أحكام الإسلام.
وتشمل دار الحرب كل البلاد غير الإسلامية التي لا تدخل تحت سلطة المسلمين، سواء كانت هذه البلاد تحكمها دولة واحدة أو تحكمها دول متعددة، ويستوي أن يكون بين سكانها المقيمين بها إقامة دائمة مسلمين أو لا يكون، ما دام المسلمون عاجزين عن إظهار أحكام الإسلام.
والأصل في التشريع الجنائي أنه تسري أحكامه على كل من يقيم في دار الإسلام، مهما تعددت حكوماتهم واختلفت نظم الحكم فيها، فيستوي أن تكون البلاد الإسلامية خاضعة كلها لحكم دولة واحدة، كما كان الحال في عهد الدولة الراشدية، أو خاضعة لحكم دول متعددة كما هو الحال اليوم، ولا عبرة باختلاف أديانهم أو لغاتهم أو أجناسهم، ولا أماكنهم، وعلى من يقيمون في دار الإسلام أن يلتزموا أحكام الشريعة لا في دار الإسلام فقط بل في خارج دار الإسلام.
المبدأ الشرعي العام في التشريع الجنائي هو سريان الشريعة على الجرائم التي ترتكب في دار الإسلام أيا كان مرتكبها، وعلى الجرائم التي ترتكب في دار الحرب من مقيم في دار الإسلام، ولا خلاف بين الفقهاء في سريان التشريع الجنائي على المسلمين في أرض الإسلام.
ولكن الفقهاء اختلفوا في سريان التشريع الجنائي على دار الحرب، وذلك كمن زنى من المسلمين أو سرق، أو قذف مسلمًا، أو شرب خمرًا، أو قتل مسلمًا، فهل يقام عليه الحد أو القصاص؟ في المسألة ثلاثة أقوال:
الأول: قال المالكية والشافعية: يجب على الإمام إقامة الحد عليه، واستدلوا لذلك بالقياس على فرض الصلاة وغيره، وذلك أن إقامة الحدود فرض كالصلاة، والصوم، والزكاة، ولا تسقط دار الحرب عنه شيئا من ذلك، إذا قتل مسلم مسلمًا في دار الحرب يستوفي منه القصاص، ويكون الحكم كما لو كانوا في دار الإسلام.
القول الثاني: وذهب الحنفية إلى أنه لا يقام عليه الحد، ولو بعد رجوعه إلى دار الإسلام لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( لا تقام الحدود في دار الحرب ) ) [2] .
(1) ينظر المبسوط 9/ 100، درر الحكام 1/ 294، المدونة 4/ 546، الأم 8/ 381، الفروع 6/ 66، الإنصاف للمرداوي 10/ 170 الفقه الجنائي الإسلامي للدكتور عبد القادر عودة 1/ 274، فما بعدها، الموسوعة الفقهية 20/ 209.
(2) قال الزيلعي: (( غريب وأخرج البيهقي عن الشافعي قال: قال أبو يوسف حدثنا بعض أشياخنا عن مكحول عن زيد بن ثابت قال لا تقام الحدود في دار الحرب مخافة أن يلحق أهلها بالعدو قال وحدثنا بعض أصحابنا عن ثور بن يزيد عن حكيم بن عمير أن عمر بن الخطاب كتب الى عمير بن سعد الأنصاري وإلى عماله أن لا يقيموا حدا على أحد من المسلمين في أرض الحرب حتى يخرجوا الى أرض المصالحة قال الشافعي ومن هذا الشيخ ومكحول لم ير زيد بن ثابت انتهى وهذا الأخير رواه بن أبي شيبة في مصنفه حدثنا بن المبارك عن أبي بكر بن مريم عن حكيم بن عمير به وزاد لئلا تحمله حمية الشيطان أن يلحق بالكفار انتهى ) ). نصب الراية ج 3/ص 343. وفي شرح الزركشي ج 3/ص 209: (( روى بسر بن أرطاة أنه وجد رجلًا سرق في الغزو فجلده ولم يقطع يده وقال نهانا رسول الله عن القطع في الغزو رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي ولأن إقامة الحد والحال هذه مما يطمع العدو في المسلمين وربما كان المقام عليه الحد ضعيف الإيمان فيلحق بالعدو وبذلك علّل الصحابة رضي الله عنهم ) ).