جزاء لكفرهم نعمة اللّه، وأن من فعل مثلهم، فُعِلَ به كما فعل بهم، وأن شكر اللّه تعالى، حافظ للنعمة، دافع للنقمة، وأن رسل اللّه، صادقون فيما أخبروا به، وأن الجزاء حق، كما رأى أنموذجه في دار الدنيا. [1]
فكان جزاء الكفر بالنعمة وبالمنعم زوالها وتمزقهم أيدي سبأ وأصبحوا عبرة لكل صبار شكور ولله در ابن القيم إذ يقول: ومن تأمل ما قص الله تعالى في كتابه من أحوال الأمم الذين أزال نعمه عنهم وجد سبب ذلك جميعه إنما هو مخالفة أمره وعصيان رسله وكذلك من نظر في أحوال أهل عصره وما أزال الله عنهم من نعمه وجد ذلك كله من سوء عواقب الذنوب كما قيل
إذا كنت في نعمة فارعها ***فإن المعاصي تزيل النعم
فما حفظت نعمة الله بشيء قط مثل طاعته ولا حصلت فيها الزيادة بمثل شكره ولا زالت عن العبد بمثل معصيته لربه فإنها نار النعم التي تعمل فيها كما تعمل النار في الحطب اليابس [2]
ومن عقوباتها أنها تمحق بركة العمر وبركة الرزق وبركة العلم وبركة العمل وبركة الطاعة وبالجملة أنها تمحق بركة الدين والدنيا فلا تجد أقل بركة في عمره ودينه ودنياه ممن عصي الله وما محت البركة من الأرض إلا بمعاصي الخلق قال الله تعالي ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض وقال تعالى {وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (16) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (17) } [3] وأن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه وفي الحديث أن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب فإنه لا ينال ما عند الله إلا بطاعته وإن الله جعل الروح والفرح في الرضاء واليقين وجعل الهم والحزن في الشك والسخط وقد تقدم الأثر الذي ذكره أحمد في كتاب الزهد أنا الله إذا رضيت باركت وليس لبركتي منتهى وإذا غضبت لعنت ولعنتي تدرك السابع من الولد وليست سعة الرزق والعمل بكثرته ولا طول العمر بكثرة الشهور والأعوام ولكن سعة الرزق والعمر بالبركة فيه وقد تقدم أن عمر العبد هو مدة حياته ولا حياة لمن أعرض عن الله واشتغل بغيره بل فحياة البهائم خير من حياته فإن حياة الإنسان بحياة قلبه وروحه ولا حياة لقلبه إلا بمعرفة فاطره ومحبته وعبادته وحده أو الإنابة إليه والطمأنينة بذكره والأنس بقربه ومن فقد هذه الحياة فقد الخير
(1) - تفسير السعدي - (ج 1 / ص 677
(2) - بدائع الفوائد [جزء 2 - صفحة 432]
(3) - [سورة الجن:16/ 17]