فلا يخرج إلا وهو صفر اليدين أو قد تحمَّل شيئًا من الدَّين، وعندما ينظر فيما أتى به من أغراض وحاجات لأهله لا يجد إلا أشياء كمالية صغيرة، يحملها بين يديه بلا عناء، ولا تساوي ما أنفق فيها من مال.
وإن هذا الأمر ليس قضية عارضة أو مسألة هينة، بل هو في الواقع يشكل ظاهرة ملموسة وقضية محسوسة، ويعد منحنى خطيرًا في حياة المجتمع المسلم، يجب على كل فرد أن يدرسه ويتعرف أسبابه، ويبحث عن حله الناجح وعلاجه الناجع، فيأخذ به ويقي نفسه، لعل الله أن ينجيه مما ابتلي به غيره من الناس، أو مما قد يكون هو نفسه مبتلى به.
إننا يجب أن نعلّق أنفسنا بهذا الدين العظيم الذي ندين الله عز وجل به في كل أمورنا، يجب أن نرتبط به في جميع مناحي حياتنا، وأن ندرس تحت مظلته قضايانا، ونحل به مشكلاتنا، وأن نعلم أننا مهما تمسكنا به وعضضنا عليه بالنواجِذ فلن نضل ولن نشقى بتوفيق الله، وأننا بقدر ما نبتعد عنه أو ننحرف عن صراطه المستقيم أو نتخلّى عن تعاليمه السمحة المباركة أو نتهاون بها فإننا نهوي إلى مكان مُوحِش سَحِيق، ونلقي بأنفسنا في مجاهل من المستقبل المتردّي الذي لا يعلم ما يكون عليه إلا الله
فما هي الأسباب الماحقة المانعة للبركة الجالبة لغلاء الأسعار
اعلم علمني الله وإياك: أن هناك جملة من الأسباب المحقة للبركة نذكر منها:
في هذا الفصل اهم الأسباب التي تمحق البركة وتسبب غلاء في الأسعار
يقول الله - تعالى- وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112) [1]
قال بعض أهل العلم: «إن هذا مثلٌ ضربه الله لأهل مكة» ، وهو رواية العوفي عن ابن عباس، وإليه ذهب مجاهد وقتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وحكاه مالك عن الزهري رحمهم الله، نقله عنهم ابن كثير وغيره.
فهذه القرية كانت في أمن وخير وبركة ولكنها كفر بما أنعم الله عليها وتعدت حدوده ولم تؤمن برسوله فكان جزاؤها ما اخبر الله تعالى من تحول الأمن إلى خوف والنعمة إلى جوع وضنك وما ربك بظلام للعبيد
يقول سيد قطب - رحمه الله - {فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون}
وأخذ قومها العذاب وهم ظالمون.
(1) - [سورة النحل:112]