وعن عمر رضي اللَّهُ عنه: عجبت لمن لا يطلب الغنى بالباءة. ولقد كان عندنا رجل رازح الحال، ثم رأيته بعد سنين وقد انتعشت حاله وحسنت، فسألته؟ فقال: كنت في أول أمري على ما علمت، وذلك قبل أن أُرزق ولدًا، فلما رزقت بكر ولدي تراخيت عن الفقر، فلما ولد لي الثاني زدت خيرًا، فلما تتاموا ثلاثة صبّ الله عليّ الخير صبًا، فأصبحت إلى ما ترى {والله واسع} أي غنيّ ذو سعة لا يرزؤه إغناء الخلائق، ولكنه {عَلِيمٌ} يبسط الرزق ولمن يشاء ويقدر) [1] .
ومن أسباب حدوث وحلول البركة في الطعام الاجتماع عليه فعن وحشي بن حرب عن أبيه عن جده أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا يا رسول الله إنا نأكل ولا نشبع قال فلعلكم تفترقون قالوا نعم قال فاجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله عليه يبارك لكم فيه [2]
عن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النبي -صلى الله عليه وسلم: «طَعَامُ الاثْنَيْنِ كافي الثَّلاثَةِ، وَطَعَامُ الثَّلاثَةِ كافي الأرْبَعَةِ» [3]
يقول ابن بطال -رحمه الله -يريد أنه ما شبع اثنان يكفي ثلاثة رجال وما يشبع منه ثلاثة يكفى أربعة والكفاية ليست بالشبع والاستنباط كما أنها ليست بالغنى والإكثار، ألا ترى قول أبى حازم: ابن آدم إذا كان ما يكفيك لا يغنيك فليس شيء يغنيك.
وقد روى لفظ الترجمة عن النبي عليه السلام من حديث ابن وهب عن ابن لهيعة عن أبى الزبير، عن جابر قال: سمعت النبي عليه السلام يقول: «طعام الواحد يكفى الأثنين، وطعام الاثنين يكفى الأربعة، وطعام الأربعة يكفى الثمانية» .
قال المهلب: والمراد بهذه الأحاديث الحض على المكارمة في الأكل والمواساة والإيثار على النفس الذي مدح الله به أصحاب نبيه، فقال: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} ولا يراد بها معنى التساوي في الأكل والتشاح؛ لأن قوله عليه السلام: «كافي الثلاثة» دليل على الأثرة التي كانوا يمتدحون بها والتقنع
(1) - الكشاف - (ج 4 / ص 403)
(2) - قال الألباني في"السلسلة الصحيحة"2/ 272: أخرجه أبو داود (2/ 139) وابن ماجه (2/ 307) وابن حبان (1345) والحاكم (2/ 103) وأحمد (3/ 501)
(3) - أخرجه مالك «الموطأ» صفحة (578) . والحميدي (1068) وأحمد (2/ 244) والبخاري (7/ 92) ومسلم (6/ 132) . والترمذي (1820) تحفة الأشراف» (10/ 13804)