يوجب مزيد النعم الروحانية، وأما مزيد النعم الجسمانية، فلأن الاستقراء دل على أن من كان اشتغاله بشكر نعم الله أكثر، كان وصول نعم الله إليه أكثر، وبالجملة فالشكر إنما حسن موقعه، لأنه اشتغال بمعرفة المعبود وكل مقام حرك العبد من عالم الغرور إلى عالم القدس، فهو المقام الشريف العالي الذي يوجب السعادة في الدين والدنيا.
وأما قوله: {وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌ} فالمراد منه الكفران، لا الكفر، لأن الكفر المذكور في مقابلة الشكر ليس إلا الكفران، والسبب فيه أن كفران النعمة لا يحصل إلا عند الجهل بكون تلك النعمة نعمة من الله، والجاهل بها جاهل بالله، والجهل بالله من أعظم أنواع العقاب والعذاب وأيضًا فههنا دقيقة أخرى وهي أن ما سوى الواحد الأحد الحق ممكن لذاته وكل ممكن لذاته فوجوده إنما يحصل بإيجاد الواجب لذاته، وعدمه إنما يحصل بإعدام الواجب لذاته، وإذا كان كذلك فكل ما سوى الحق فهو منقاد للحق مطواع له، وإذا كانت الممكنات بأسرها منقادة للحق سبحانه فكل قلب حضر فيه نور معرفة الحق وشرف جلاله، انقاد لصاحب ذلك القلب ما سواه، لأن حضور ذلك النور في قلبه يستخدم كل ما سواه بالطبع، وإذا خلا القلب عن ذلك النور ضعف وصار خسيسًا فيستخدمه كل ما سواه ويستحقره كل ما يغايره فبهذا الطريق الذوقي يحصل العلم بأن الاشتغال بمعرفة الحق يوجب انفتاح أبواب الخيرات في الدنيا والآخرة، وأما الإعراض عن معرفة الحق بالاشتغال بمجرد الجسمانيات يوجب انفتاح أبواب الآفات والمخافات في الدنيا والآخرة.) [1]
عن علي، [2] أنه قال لرجل من همدان: «إن النعمة موصلة بالشكر، والشكر معلق بالمزيد، وهما مقرونان في قرن، فلن ينقطع المزيد من الله حتى ينقطع الشكر من العبد» ) [3]
(1) -تفسير الرازي - (ج 9 / ص 213)
(2) - علي بن أبي طالب (2) بن عبد المطلب الهاشمي القرشي، أبو الحسن: أمير المؤمنين، رابع الخلفاء الراشدين، ن وأحد العشرة المبشرين، وابن عم النبي وصهره، وأحد الشجعان الأبطال، ومن أكابر الخطباء والعلماء بالقضاء، وأول الناس إسلاما بعد خديجة. ولد بمكة، وربي في حجر النبي صلى الله عليه وسلم ولم يفارقه. وكان اللواء بيده في أكثر المشاهد. ولما آخى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين أصحابه قال له: أنت أخي، وولي الخلافة بعد مقتل عثمان ابن عفان-رضي الله عنه- (الأعلام للزركلي(4/ 295)
(3) - الشكر - (ج 1 / ص 19)