الصفحة 23 من 37

و النبي - صلى الله عليه وسلم أرشدنا إلى كل خير وحذرنا من كل شر ومن الخير الذي دلنا عليه التوكل على الله تعالى عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا، و تروح بطانا} " [1] ."

(لو أنكم توكلون على الله حق توكله) بأن تعلموا يقينا أن لا فاعل إلا الله وأن كل موجود من خلق ورزق وعطاء ومنع من الله تعالى ثم تسعون في الطلب على الوجه الجميل والتوكل إظهار العجز والاعتماد على المتوكل عليه (لرزقكم كما ترزق) بمثناة فوقية مضمومة أوله بضبط المصنف (الطير) زاد في رواية في جو السماء (تغدو خماصا) أي ضامرة البطون من الجوع جمع خميص أي جائع (وتروح) أي ترجع آخر النهار (بطانا) أي ممتلئة البطون جمع بطين أي شبعان أي تغدو بكرة وهي جياع وتروح عشاءا وهي ممتلئة الأجواف أرشد بها إلى ترك الأسباب الدنيوية والاشتغال بالأعمال الأخروية ثقة بالله وبكفايته فإن احتج من غلب عليه الشغف بالأسباب بأن طيران الطائر سبب في رزقه فجوابه أن الهواء لا حب فيه يلقط ولا جهة تقصد ألا ترى أنه ينزل في مواضع شتى لا شيء فيها فلا عقل له يدرك به فدل على أن طيرانه في الهواء ليس من باب طلب الرزق بل هو من باب حركة يد المرتعش لا حكم لها فيتردد في الهواء حتى يؤتى برزقه أو يؤتى به إلى رزقه هذا الذي يتعين حمل طيران الطائر عليه أعني أنه لا حكم له في الرزق ولا ينسب إليه لأن المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم سماه متوكلا مع طيرانه ولذلك مثل به والمكلف العاقل أولى بالتوكل منه سيما من دخل إلى باب الاشتغال بأفضل الأعمال بعد الإيمان وهو طلب العلم كذا قرره ابن الحاج وهو أوجه من قول البعض الحديث مسوق للتنبيه على أن الكسب ليس برازق بل الرازق هو الله تعالى لا للمنع عن الكسب * (فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه) *

فينبغي للباحث عن البركة أن يتوكل على الله سبحانه وتعالى ثم يتبعه الحركة والسعي من اجل طلب الحلال فان الله تعالى أمر سيدة البتول أن تهز جذع النخل حتى يتساقط عليها الرطب ولم يأمرها بالتوكل فقط بل لابد من الأخذ بالأسباب فالأخذ بالأسباب أمر واجب وقد أخذ بعض العلماء من قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وهزى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النخلة} [2]

(1) - قال الألباني في"السلسلة الصحيحة"1/ 557: أخرجه أحمد (1/ 30) والترمذي (2/ 55 - ) والحاكم (4/ 318) وقال الترمذي:"حديث حسن صحيح". وقال الحاكم:"صحيح الإسناد، وأقره الذهبي. وأقول: بل هو صحيح على شرط مسلم، فإن رجاله رجال الشيخين غير ابن هبيرة أبي تميم فمن رجال مسلم وحده. وابن ماجه (4164."

(2) - [مريم: 25]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت