الصفحة 18 من 37

وقوله: (( عدلٌ فيَّ قضاؤك ) )؛ مطابق لقوله: {إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} .

ثم توسَّل إلى ربه بأسمائه التي سَمَّى بها نفسه، ما علم العبادُ منها وما لم يعلموا، ومنها ما استأثره في علم الغيب عنده، فلم يُطلِع عليه ملكًا مقربًا ولا نبيًّا مرسلًا، وهذه الوسيلة أعظم الوسائل، وأحبها إلى الله، وأقربها تحصيلًا.

ثم سأله أن يجعل القرآن لقلبه كالربيع الذي يرتَع فيه الحيوان، وكذلك القرآن ربيع القلوب، وأن يجعله شفاء همه وغمه، فيكون له بمنزلة الدواء الذي يستأصل الداء ويُعِيد البدن إلى صحته واعتداله، وأن يجعله لحزنه كالجلاء الذي يجلو الطبوع والأصدية وغيرها؛ فَأَحْرَى بهذا العلاج إذا صدق العليل في استعماله أن يزيل عنه داءَه، ويعقبه شفاء تامًّا، وصحة وعافية، والله الموفِّق.

وأما دعوة ذي النون، فإن فيها من كمال التوحيد والتنزيه للرب - تعالى - واعتراف العبد بظلمه وذنبه؛ ما هو من أبلغ أدوية الكرب والهم والغم، وأبلغ الوسائل إلى الله - سبحانه - في قضاء الحوائج، فإن التوحيد والتنزيه يتضمنان إثباتَ كل كمال لله، وسلبه كل نقص وعيب وتمثيل عنه، والاعتراف بالظلم يتضمن إيمان العبد بالشرع والثواب والعقاب، ويوجب انكساره ورجوعه إلى الله، واستقالةَ عَثْرته والاعتراف بعبوديته، وافتقاره إلى ربه، فهنا أربعة أمور قد وقع التوسل بها: التوحيد، والتنزيه، والعبودية، والاعتراف.

وأما حديث أبي أمامة: (( اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن ) )؛ فقد تضمَّن الاستعاذة من ثمانية أشياء، كل اثنين منها قرينان مزدوجان؛ فالهم والحزن أخوان، والعجز والكسل أخوان، والجُبْن والبخل أخوان، وضِلَع الدَّين وغَلَبة الرجال أخوان.

فإن المكروه المؤلِم إذا ورد على القلب؛ فإما أن يكون سببه أمرًا ماضيًا فيوجب له الحزن، وإما أن يكون أمرًا متوقعًا في المستقبل أوجب الهم، وتخلف العبد عن مصالحه وتقويتها عليه إما أن يكون من عدم القدرة وهو العجز، أو من عدم الإرادة وهو الكسل، وحبس خيره ونفعه عن نفسه وعن بني جنسه، إما أن يكون منع نفعه ببدنه وهو الجبن، أو أو بماله فهو البخل، وقهر الناس له إما بحق فهو ضِلَع الدَّين، أو بباطل فهو غلبة الرجال؛ فقد تضمن الحديث الاستعاذةَ من كل شر.

وأما تأثير الاستغفار في دفع الهم والغم والضيق؛ فلِمَا اشترك في العلم به أهلُ الملل وعقلاء كل أمة أن المعاصي والفساد توجب الهم والغم والخوف والحزن وضيق الصدر وأمراض القلب، حتى إن أهلها إذا قضوا منها أوطارهم وسَئِمتها نفوسهم، ارتكبوها دفعًا لِما يجدونه في صدورهم من الضيق والهم والغم؛ كما قال شيخ الفسوق الأعشى ميمون بن قيس:

وَكَأْسٍ شَرِبْتُ عَلَى لَذَّةٍ = وَأُخْرَى تَدَاوَيْتُ مِنْهَا بِهَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت