تابع آية الأنعام [122] أنشد بعض أهل العلم ما يدل على صحة هذا التأويل لبعض شعراء البصرة:
وَفِي الْجَهْلِ قَبْلَ الْمَوتِ مَوْتٌ لِأَهْلِهِ = فَأَجْسَامُهُمْ قَبْلَ الْقُبُورِ قُبُورُ [1]
وَإِنَّ امْرأً لَمْ يَحْيَ بِالْعِلْمِ مَيِّتٌ = فَلَيْسَ لَهُ حَتَّى النُّشُورِ نُشُورُ
قال ابن عباس: أو مَن كان كافرًا فهديناه، نزلت في حمزة بن عبدالمطلب وأبي جهل [2] ، والصحيح أنها عامة في كل مؤمن وكافر.
(قال) [3] :"إن هذه العقيدة تُنشئ في القلب حياة بعد الموت، وتطلق فيه نورًا بعد الظلمات، حياة يعيد بها تذوُّق كل شيء، وتصوُّر كل شيء، وتقدير كل شيء بحسٍّ آخر لم يكن يعرفه قبل هذه الحياة، ونورًا يبدو كل شيء تحت أشعته وفي مجاله جديدًا كما لم يَبْدُ من قبل قط، كذلك القلب الذي نوَّره الإيمان، وهذه التجربة لا تنقلها الألفاظ، يعرفها فقط من ذاقها".
عن ابن مسعود قال: قلنا يا رسول الله، قوله: {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ} [الزمر: 22] ، كيف انشرح الصدر؟ قال: (( إذا دخل النورُ القلبَ انشرح الصدر وانفتح ) )، قلنا يا رسول الله، وما علامة ذلك؟ قال: (( الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزول ) ) [4] .
ومنها وَجَل القلب عند ذكر الله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} [الأنفال: 2] ؛ والوجل هو الخوف والاضطراب والفزع، وزيادة خفقان القلب وسرعة ضرباته. واعلم أن خوف الله - تعالى - أكبر علاماته أن يَحْجز صاحبه عن الذنوب [5] .
(1) الجامع لأحكام القرآن القرطبي.
(2) ذكره عن ابن عباس مطولًا؛ أبو حيان في البحر المحيط.
(3) الظلال.
(4) أخرجه الحاكم والبيهقي في الزهد، ولهذا الحديث طرق مرسلة ومتصلة يشد بعضها بعضًا؛ فالحديث على أقل أحواله: مقبول، أو حسن لغيره بشواهده؛ كما ذكر في منة الغفور، قال الذهبي: عدي بن الفضل ساقط، وضعفه الألباني.
(5) تفسير السعدي.