فغلبتْني العَبْرة، ثم تجلدت خشية على الجارية، ثم قلت لها: يا جارية، قولي لصاحبة المنزل: كلمي أبا قدامة؛ فإنه على الباب، فسمعت المرأة كلامي فخرجتْ إليَّ وقد تغيَّر لونها فسلمت عليها، فردَّت السلام، وقالت: أمبشر أنت يا أبا قدامة أم معزٍّ؟ قلت: بيِّني لي البشارة من التعزية يرحمك الله، قالت: إن كان ولدي رجع سالمًا فأنت معزٍّ، وإن كان قُتل في سبيل الله فأنت مبشِّر، فقلت: أبشري فقد قبل الله هديتك فبكت، وقالت: قَبِلها؟ قلت: نعم، فقالت: الحمد لله الذي جعله ذخيرة لي يوم القيامة، قلت: فما فعلت الجارية أخت الغلام؟ قالت: هي التي كانت تكلِّمك تلك الساعة، فتقدمت إليَّ، فقلت لها: إن أخاك يسلم عليك، ويقول لك: الله خليفتي عليك إلى يوم القيامة، فصرختْ وخرَّت على وجهها مغشيًّا عليها، فحركتها بعد ساعة فإذا هي ميتة، فتعجبت من ذلك، ثم سلَّمت ثياب الغلام التي كانت معي لأمه، وودعتها وانصرفت حزينًا على الغلام والجارية، ومتعجبًا من صبر أمهما"."
عرَفت بقلبك لماذا كان هذا الغلام ابن صاحبة الشكال لا يخاف الموت، ويحب الجهاد بالنفس لله؛ لأنه تعرَّف على منازل الشهداء بقلبه، لأجل ذلك لم يصدَّ أو يرجع عن الجهاد لأي سبب من الأسباب؛ لأن الإيمانَ إذا ما باشر القلوب بحق جعل الله له من المستحيل ممكنًا، ويُذهِب الله بالجهاد الهمَّ والحزن، ويبدلهما فرحًا ونشاطًا وقوة؛ كما قال إمامنا ابن القيم - طيب الله ثراه.
أما بالنسبة لتأثير الحوقلة في دفع الهم؛ وهي:"لا حول ولا قوة إلا بالله"في دفع هذا الداء؛ فلِمَا فيها من كمال التفويض والتبرِّي من الحول والقوة إلا به، وتسليم الأمر كله له، وعدم منازعته في شيء منه، وعموم ذلك لكل تحوُّل من حال إلى حال في العالم العلوي والسفلي، والقوة على ذلك التحول، وأن ذلك بالله وحده، فلا يقوم لهذه الكلمة شيء، وفى بعض الآثار: إنه ما ينزل ملك من السماء، ولا يصعد إليها إلا بـ"لا حول ولا قوة إلا بالله"، ولها تأثير عجيب في طرد الشيطان، والله المستعان" [1] ."
• والقصد عن همِّ القلب بالذكر أن يكون على يقين ودراية؛ فلا شك أن الذِّكر بيقين في القلب له أثره على الجوارح؛ فالجوارح لا تنصلح إلا إذا انصلح قائدها وهو القلب.
وقد جاء في سبب نزول قول الله - تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} [الطلاق: 2] .
(1) انتهى كلام الإمام من زاد المعاد ص 185.