الصفحة 33 من 37

(هـ)

ومن هذه العلامات أيضًا:

شعور صاحبه بالقرب الحقيقي من الله - عز وجل - ويظهر ذلك في دعائه ومناجاته، ويزداد هذا القرب يومًا بعد يوم حتى يصل إلى درجة الأنس به - سبحانه - والتلذذ بمناجاته، وترقب أوقات الخلوة به.

يقول ابن القيم:"اعلم أن القلب إذا خلا من الاهتمام بالدنيا والتعلق بما فيها من مال أو رياسة أو سورة، وتعلق بالآخرة والاهتمام بها من تحصيل العدة والتأهب للقدوم على الله - عز وجل - فذلك أول فُتُوحه وتباشير فجره، فعند ذلك يتحرَّك قلبه لمعرفة ما يرضى به ربه منه، فيفعله ويتقرب به إليه، وما يسخطه فيتجنبه وهذا عنوان صدق الإرادة".

فإذا تمكَّن من ذلك؛ فتح له باب الأنس بالخلوة والوحدة والأماكن الخالية، التي تهدأ فيها الأصوات والحركات، فلا شيء أشوق إليه من ذلك، فإنها تجمع عليه قوى قلبه وإرادته، وتسد عليه الأبواب التي تفرق همه، وتشتت قلبه؛ فيأنس بها ويستوحش من الخلق.

ثم يفتح له باب حلاوة العبادة بحيث لا يكاد يشبع منها، ويجد فيها من اللذة والراحة أضعاف ما كان يجده في لذة اللهو واللعب ونيل الشهوات؛ بحيث إنه إذا دخل في الصلاة ودَّ ألاَّ يخرج منها.

ثم يفتح له باب حلاوة استماع كلام الله، فلا يشبع منه وإذا سمعه هدأ قلبه به كما يهدأ الصبي إذا أُعطي ما هو شديد المحبة له" [1] ..."

تعليق:

كثير من الناس يمل بالجلوس بمفرده، وإن جلس مع غيره يتفنَّن في معاصي الله، كما هو ملموس في الناس؛ وهذا لخلوِّ قلوبهم من فهم هذا الكلام، ولك أن تقول إن هذا الكلام يكتب بماء الذهب؛ لأنه مطابق لحال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه.

(1) تهذيب مدارج السالكين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت