عن ذلك، ويحزن حزنًا طويلًا؛ فإنه لا بد من الحساب على حق هذه الأعضاء؛ لقوله - تعالى: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا} [الإسراء: 36] .
ولَمَّا كان القلب لهذه الأعضاء كالمالك المتصرِّف في الجنود، الذي تصدر كلها عن أمره، ويستعملها فيما شاء؛ فكلها تحت عبوديته وقهره، وتكتسب منه الاستقامة والزيغ، وتتبعه فيما يعقده من العزم أو يحله، فهو مَلِكُها، وهي المنفِّذة لما يأمرها به، ولا يستقيم لها شيء من أعمالها حتى تصدر عن قصده ونيته، وهو المسؤول عنها كلها؛ لأن كلَّ راعٍ مسؤول عن رعيته - كان الاهتمام بتصحيحه وتسديده أَولى ما اعتمد عليه السالكون، والنظر في أمراضه وعلاجها أهمُّ ما نسك به الناسكون.
لماذا شنَّ إبليس على القلب الحروبَ والهجماتِ بالوساوس؟
ولَمَّا علم عدوُّ الله إبليسُ أن المدار على القلب والاعتماد عليه؛ أجلب عليه بالوساوس، وأقبل بوجوه الشهوات إليه، وزيَّن له من الأحوال والأعمال ما يصدُّه به عن الطريق، وأمده من أسباب الغنَى بما يقطعه عن أسباب التوفيق، ونصب له من المصايد والحبائل ما إن سلم من الوقوع فيها لم يسلم من أن يحصل له التعويق.
بم ينجو القلب من هذه المخاطر والحروب والهجمات؟
أولًا: بدوام الاستعانة بالله.
ثانيًا: بالتعرض لأسباب مرضاته.
ثالثًا: بالتجاء القلب إليه، وإقباله عليه في حركاته وسكناته.
رابعًا: تحقق ذل العبودية الذي هو أَولى ما تلبَّس به الإنسان؛ ليحصل له الدخول في ضمان: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الحجر: 42] .
ما هي ثمرة تحقيق العبودية لله؟
فهذه هي الإضافة القاطعة بين العبد وبين الشياطين، وحصولها سبب تحقيق مقام العبودية لرب العالَمين، وإشعار القلب وإخلاص العمل ودوام اليقين، فإذا أُشْرِبَ القلب العبودية والإخلاص؛ صار عند الله من المقرَّبين، وشمله استثناء: {إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [ص: 83] .
وما ربك بظلاَّم للعبيد: