الصفحة 27 من 37

اعلم أن الله أضاف العقل إلى القلب؛ لأنه محله، كما أن السمع محله الأذن بقوله: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا [1] } [الحج: 46] ؛ فالعقل هو عين القلب، إذا أصيب العقل بالتعطيل أصيب القلب بالعمى، فأنى - أي:"كيف"- لصاحبه أن [2] يهتدي.

تابع تأثير الذنب في القلب بقوله: {أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24] ؛ فهلاَّ يتدبر هؤلاء المُعرِضون عن كتاب الله، ويتأملونه حق التأمل؛ فإنهم لو تدبروه لدلَّهم على كل خير، ولحذرهم من كل شر، ولملأ قلوبهم من الإيمان، وأفئدتهم من الإيقان، ولأوصلهم إلى المطالب العالية والمواهب الغالية، ولبين لهم الطريق الموصلة إلى الله وإلى جنته ومكملاتها ومفسداتها، والطريق الموصلة إلى العذاب، وبأي شيء يحذر، ولعرَّفهم بربهم وأسمائه وصفاته وإحسانه، ولشوَّقهم إلى الثواب الجزيل، ورهبهم من العقاب الوبيل، {أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} أي: قد أغلق على ما فيها من الشر وأقفلت، [ص:789] فلا يدخلها خيرٌ أبدًا؟ هذا هو الواقع ت. سع" [3] ."

وورد في الأثر (( ما من عبد إلا وله عينان في وجهه يبصر به أمر الدنيا، وعينان في قلبه يبصر بهما أمر الآخرة، فإذا أراد الله بعبد خيرًا فتح عينيه اللتين في قلبه، فأبصر بهما من اللذة والنعيم ما لا خطر له ما وعد به مَن لا أصدق منه حديثًا، وإذا أراد به غير ذلك تركه على ما هو عليه، ثم قرأ: {أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24] ، ولو لم يكن للقلب المشتمل بمحبة غير الله، المُعرِض عن ذكره من العقوبة إلا صدؤه وقسوته وتعطُّله مما خلق له؛ لكفى بذلك عقوبة [4] .

نعم.

فقد سأل ابن القيم أستاذَه ابن تيمية في معنى دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم: (( اللهم طهِّر قلبي من خطاياي بالماء والثلج والبرد ) )، كيف يطهر الخطايا بذلك؟

فقال - رحمه الله:"الخطايا توجب للقلب حرارة ونجاسة وضعفًا، فيرتخي القلب، وتضطرم فيه نار الشهوة وتنجِّسه؛ فإن الخطايا والذنوب بمنزلة الحطب الذي يمد النار ويوقدها؛ ولهذا كلما كثرت الخطايا اشتدَّتْ نار"

(1) الجامع لأحكام القرآن.

(2) "منة الغفور".

(3) العلامة السعدي.

(4) منة الغفور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت