الصفحة 26 من 37

وقال قتادة وابن جبير: نزلت هذه [1] الآية في ابن أم مكتوم الأعمى.

قال ابن عباس ومقاتل: لما نزل قوله: {وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى} [الإسراء: 72] ، قال ابن أم مكتوم: يا رسول الله، أنا في الدنيا أعمى، أفأكون في الآخرة أعمى؟! فنزلت: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46] ؛ أي: مَن كان في هذه أعمى بقلبه عن الإسلام؛ فهو في الآخرة في النار [2] .

وأيضًا أفلم تكن لهم قلوب؟ فإنهم يرون ولا يدركون، ويسمعون ولا يعتبرون؛ فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور"."

ويمعن في تحديد القلوب التي في الصدور زيادة في التوكيد، وزيادة في إثبات العمى لتلك القلوب على وجه التحديد، ولو كانتْ هذه القلوب مبصرة لجاشتْ بالذكرى، وجاشتْ بالعبرة، وجنحتْ إلى الإيمان خشية العاقبة المائلة في مصارع الغابرين، وهي حولهم كثير [3] ؛ انتهى.

وهذا العمى الضار في الدين وهو عمى القلب إنما هو بسبب الإعراض عن آيات الله أيضًا [يحشر يوم القيامة أعمى] كما ذكر ربنا في سورة [طه:23] ، وما بعدها قال: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى} [طه: 123 - 127] ؛ فالجزاء من جنس العمل، فكما عميت عن ذكر ربك، وعشيت عنه ونسيته ونسيت حظك منه؛ أعمى الله بصرك في الآخرة، فحشرت إلى النار أعمى أصم أبكم، وأعرض عنك، ونسيك في العذاب [4] .

وقال ابن عباس: ضَمِن الله - تعالى - لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه، ألا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة، وتلا الآية.

وعنه: مَن قرأ القرآن واتبع ما فيه؛ هداه الله من الضلالة، ووقاه يوم القيامة سوء العذاب، ثم تلا الآية [5] .

(1) رواه البخار

(2) الجامع لأحكام القرآن.

(3) الظلال.

(4) العلامة السعدي في تفسيره.

(5) الجامع لأحكام القرآن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت