قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين: على أبيضَ مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسودُ مُرْبَادًّا، كالكوز مجخِّيًا لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكَرًا إلا ما أشرب من هواه )) [1] .
فالمقصود بـ:"فتنة الرجل في أهله وجاره"؛ أنها ضروب من فرط محبته لهم، وشحه عليهم، وشغله بهم عن كثير من الخير، وقد قال - تعالى: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ} [التغابن: 15] ، أو لتفريطه بما يلزم من القيام بحقوقهم وتأديبهم وتعليمهم؛ فإنه راعٍ ومسؤول عن رعيته، وكذلك فتنة الرجل في جاره؛ فهذه كلها فتن تقتضي المحاسبة، ومنها ذنوب يرجى تكفيرُها بالحسنات.
وقوله: (( كالكوز مجخيًا ) )؛ وصف آخر من أوصافه بأنه قلب منكس حتى لا يعلق به خير ولا حكمة.
قال القاضي: شبَّه القلب الذي لا يَعِي خيرًا بالكوز المُنحرِف الذي لا يثبت فيه الماء"؛ انتهى ما قاله النووي."
• ولتأثير الذنب على القلب عِبر في آيات ربنا - تبارك وتعالى - ومنه قوله: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 74] .
والقسوة هي [2] : الصلابة والشدة واليُبس، وهي عبارة عن خلوها من الإنابة والإذعان لآيات الله.
وإن قلت إنه عمًى قلبِيٌّ، فلست بمبالِغٍ؛ كما ذكر ربنا في سورة الحج: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46] ؛ وهذا هو العمى الضار في الدين، عمى القلب عن الحق، حتى لا يشاهده كما لا يشاهد الأعمى المرئيات [3] ، فليس العمى عمى البصر، وإنما العمى عمى البصيرة، وإن كانت القوة الباصرة سليمة؛ فإنها لا تنفذ إلى العبر ولا تدري ما الخبر [4] .
قال قتادة: البصر الناظر جُعل بلغة ومنفعة، والبصر النافع في القلب.
قال مجاهد: لكل عين [5] أربع أعين؛ يعني: لكل إنسان أربع أعين: عينان في رأسه لدنياه، وعينان في قلبه لآخرته، فإن عميتْ عينَا رأسِه وأبصرت عينا قلبه، لم يضرَّ عماه شيئًا، وإن أبصرتْ عينا رأسه وعميتْ عينَا قلبه لم ينفعْه نظره شيئًا.
(1) مسلم كتاب الإيمان.
(2) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي.
(3) تفسير العلامة السعدي.
(4) مختصر ابن كثير.
(5) ، (5) ذكرهما الماوردي في تفسيره.