قال أكثر المفسرين فيما ذكره الثعلبي: إنها نزلتْ في عوف بن مالك الأشجعي [1] ؛ فقد روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: جاء عوف بن مالك الأشجعي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، إن ابني أسره العدو وجزعت الأم.
وعن جابر بن عبدالله: نزلت في عوف بن مالك الأشجعي، أسر المشركون ابنًا له، وجزعت الأم، فما تأمرني؟ فقال النبي: اتق الله واصبر، وآمرك وإياها أن تستكثرا من قول (( لا حول ولا قوة إلا بالله ) )، فعاد إلى بيته وقال لامرأته: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرني وإياكِ أن نستكثر من قول: (( لا حول ولا قوة إلا بالله ) )، فقالت: نِعْمَ ما أمرنا به، فجعلا يقولان، فغفل العدو عن ابنه، فساق غنمهم وجاء بها إلى أبيه، وهي أربعة آلاف شاة؛ فنزلت الآية وجعل النبي تلك الأغنام له.
فمن هذا الأثر وغيره تلمح الخير الذي حصده الناس - ولا يزال الناس يحصدونه - إذا ما زكت قلوبهم وطهرت، وتعلَّقت حق التعلق بخالقها؛ فإنه لن يذوق أحدٌ حلاوة طمأنينة قلبه بالذكر إلا إذا ما زكَى قلبه، وطهر لله.
• القول في قوله - تعالى: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين: 14] .
أما مَن ران على قلبه كسبه، وغطَّته معاصيه؛ فإنه محجوب عن الحق؛ ولهذا جُوزِي على ذلك بأن حُجِب عن الله، كما حُجِب قلبه في الدنيا عن آيات الله [2] .
وهناك غيرهم كثرتْ منهم المعاصي والذنوب فأحاطت بقلوبهم فذلك الران عليها؛ عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم: (( إن العبد إذا أخطأ خطيئة نُكِتَتْ في قلبه نكتة سوداء، فإذا هو نزع واستغفر وتاب سُقِل قلبه، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه، وهو الران [3] الذي ذكر الله ) )؛ هذا لفظ الترمذي الذي عزا إليه
وقال الحسن البصرى: هو الذنب على الذنب حتى يَعْمى القلب [4] فيموت.
وعن حذيفة قال: كنا عند عمر، فقال: أيكم سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يذكر الفتن؟ فقال قوم: نحن سمعناه، فقال: لعلكم تَعْنُون فتنة الرجل في أهله وجاره؟ قالوا: أجل، قال: تلك تكفِّرها الصلاة والصيام والصدقة، ولكن أيكم سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يذكر الفتن التي تموج موج البحر؟ قال حذيفة: فأُسكِت القوم، فقلتُ: أنا، قال: أنت لله أبوك، قال حذيفة: سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (( تُعرَض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا؛ فأيُّ قلبٍ أُشْرِبَها نُكِت فيه نكتة سوداء، وأي
(1) جامع البيان، وتفسير ابن كثير، والمحرر الوجيز، وتفسير الماوردي، فتح القدير، والكلام من جامع أحكام القرآن للقرطبي.
(2) تفسير السعدي.
(3) العشر الأخير من القرآن الكريم من كتاب زبدة التفسير.
(4) مختصر ابن كثير.