"ولَمَّا منَّ الله الكريم بلطفه بالاطلاع على ما اطلع عليه من أمراض القلوب وأدوائها، وما يَعرِض لها من وساوس الشياطين أعدائها، وما تُثمِر تلك الوساوس من أعمال، وما يكتسب القلبُ بعدها من الأحوال، فإن العمل السيئ مصدره عن فساد قصد القلب، ثم يعرض للقلب من فساد العمل قسوة، فيزداد مرضًا على مرضه حتى يموت، ويبقى لا حياة فيه ولا نور له، وكل ذلك من انفعاله بوسوسة الشيطان، وركونه إلى عدوه الذي لا يفلح إلا مَن جاهده بالعصيان - أردتُ أن أقيِّد ذلك في هذا الكتاب" [1] .
بعد تبصير الله لك بعداوة إبليس وجنده بقوله: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر: 6] ؛ كان على العبد أن يجاهد نفسه ودنياه وشيطانه، نصرةً لله رب العالمين؛ لأن الله وعد ألا ينصر إلا مَن نصره بقوله ووعده: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 40] ، وبقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7] .
لأجل ذلك أردتُ أن أذكِّر نفسي أولًا، ثم أذكّر مَن يقرأ هذه الورقات، مستعينًا بالله؛ عسى الله أن يهدينا وإياكم إلى ما يحب ويرضى.
بعض أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الثابتة في صحيح السنة عن القلب؛ أستفتحها بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في مناجاته لربه في ظلام الليل وهو يقول، كما جاء عن سيدنا عبدالله بن عباس - رضي الله عنهما - أن رسولنا - صلى الله عليه وسلم - قال: (( اللهم اجعل في قلبي نورًا ) ) [2] .
وأيضًا أرشدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى فضل اليَمَن، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - حين نظر قِبَل اليَمَن؛ فقال: (( اللهم أَقْبِل بقلوبهم ) )، وكفى بهذه الدعوة أن يُقبِل العبد بقلبه وهو محطُّ نظر الله إلى العبد"؛ حسن صحيح عن زيد بن ثابت."
فأهل اليمن هم أضعف قلوبًا، وأرق أفئدة، أو كما قال - صلى الله عليه وسلم.
فلأهمية طهارة القلب ونقاوته من كل دنس أو وسخ الشيطان؛ كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول - فيما جاء عن عبدالله بن أَبِي أَوْفَى: (( اللهم برِّد قلبي بالثلج والبَرَد والماء البارد، اللهم نقِّ قلبي من الخطايا كما نقَّيتَ الثوب الأبيض من الدنس ) )؛ عند الترمذي.
(1) إغاثة اللهفان ص 17.
(2) صحيح أبي داود، رقم 1353، والنسائي، شرح السنة رقم 905، البخاري في الدعوات، ومسلم في صلاة المسافرين.