الغلام، فلما أصبحنا تبادرنا فركبنا خيولنا، فإذا المنادي ينادي: يا خيل الله، اركبي [1] ، وبالجنة أبشري: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} [التوبة: 41] ؛ فما كان إلا ساعة وإذا جيش الكفر - خذله الله - قد أقبل كالجراد المنتشر، فكان أول مَن حمل منا فيهم الغلام، فبدَّد شملهم، وفرَّق جمعهم، وغاص في وسطهم؛ فقتل منهم رجالًا وجندل أبطالًا، فلما رأيتُه كذلك، لحقتُه فأخذتُ بعنان فرسه، وقلتُ: يا حبيبي، ارجع فأنت صبي، ولا تعرف خدع الحرب، فقال: يا عم، ألم تسمع قول الله - تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ} [الأنفال: 15] ، أتريد أن أدخل النار، فبينما هو يكلمني إذ حمل علينا المشركون حملة رجل واحد، فحالوا بيني وبين الغلام ومنعوني منه، واشتغل كل واحد بنفسه، وقُتِل خلق كثير من المسلمين، فلما افترق الجمعان إذ القتلى لا يحصون عددًا، فجعلت أجول بفرسي بين القتلى، ودماؤهم تسيل على الأرض، ووجوههم لا تُعرف من كثرة الغبار والدماء، فبينما أنا أجول بين القتلى، إذا أنا بالغلام بين سنابك الخيل، وقد علاه التراب وهو يتقلب في دمه، ويقول: يا معشر المسلمين، بالله ابعثوا لي عمي أبا قدامة، فأقبلتُ إليه عندما سمعتُ صياحه، فلم أعرف وجهه لكثرة الدماء والغبار ودوس الدواب، فقلت: ها أنا أبو قدامة، قال: يا عم صدقت الرؤيا ورب الكعبة، أنا ابن صاحبة الشكال، فعندها رميتُ بنفسي عليه، فقبَّلت بين عينيه، ومسحت التراب والدم عن محاسنه، وقلت: يا حبيبي، لا تنسَ عمك أبا قدامة، اجعله في شفاعتك يوم القيامة، فقال: مثلك لا يُنْسَى، تمسح وجهي بثوبك؟ ثوبي أحق به من ثوبك، دعه يا عم حتى ألقى الله - تعالى - به، يا عمِّ، هذه الحور التي وصفتُها لك قائمة عند رأسي تنتظر خروج روحي، وتقول لي: عَجِّل؛ فأنا مشتاقة إليك، بالله يا عم إن ردَّك الله سالمًا، فاحمل ثيابي هذه المضمَّخة بالدم لوالدتي المسكينة الثكلى الحزينة، وسلمها إليها، لتعلم أني لم أضيِّع وصيتها، ولم أَجبُن عند لقاء المشركين، واقرأ مني السلام عليها، وقل لها: إن الله قد قَبِل الهدية التي أهديتِها، ولي يا عم أختٌ صغيرة لها من العمر عشر سنين، كنت كلما دخلتُ استقبلتني تسلم عليَّ، وإذا خرجتُ تكون آخر مَن يودعني، وإنها ودعتْني عند مخرجي هذا، وقالت لي: بالله يا أخي لا تبطئ عنا، فإذا لقيتَها فاقرأ عليها مني السلام، وقل لها: يقول لك أخوك: الله خليفتي عليك إلى يوم القيامة، ثم تبسَّم، وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له صدق وعده، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، هذا ما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله، ثم خرجتْ روحه، فكفَّناه في ثيابه وواريناه - رضي الله عنه وعنا.
قال أبو قدامة: فلما رجعنا من غزوتنا تلك ودخلنا الرقة، لم تكن لي همة إلا دار أم الغلام، فإذا جارية تشبه الغلام في حسنه وجماله وهي قائمة بالباب، وكل مَن مرَّ بها تقول: يا عم، من أين جئتَ؟ فيقول من الغزاة، فتقول: أما رجع معكم أخي؟ فيقولون: لا نعرفه، فلما سمعتُها تقدمتُ إليها، فقالت لي: يا عم، من أين جئت؟ قلت: من الغزو، قالت: أما رجع معكم أخي، ثم بكت وقالت: ما بالي أرى الناس يرجعون وأخي لا يرجع،
(1) هذا على حذف المضاف أراد: يا فرسان خيل الله اركبي.