الصفحة 20 من 37

باشر العبد بقلبه أمر الجهاد لا يكون في قرارة نفسه إلا أن يجود بنفسه ويبيعها لله؛ لقوله - تعالى - في سورة التوبة: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 111] .

وبالمثال يتَّضح المقال - كما هو معلوم عند أهل البلاغة - فمن أمثلة شعيرة الجهاد بالنفس لله: ما جاء عن صاحبة الضفيرتين وابنها الصوَّام القوَّام، وهذه القصة حكاها جماعة، منهم: أحمد بن الجوزي الدمشقي في كتابه المسمى بـ"سوق العروس وأنس النفوس"، فحكى أنه كان بمدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجل يقال له أبو قدامة الشامي، وكان قد حبب الله إليه الجهاد في سبيله والغزو إلى بلاد الروم، فجلس يومًا في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتحدث مع أصحابه، فقالو له: يا أبا قدامة، حدِّثنا بأعجب ما رأيت في الجهاد، قال: نعم، إني دخلتُ في بعض السنين الرَّقة -"مدينة مشهورة على الفرات"- أطلب جملًا اشتريتُه ليحمل سلاحي، فبينما أنا يومًا جالس، إذ دخلتْ عليَّ امرأة فقالتْ: يا أبا قدامة، سمعتُك وأنت تتحدَّث عن الجهاد، وتحثُّ عليه، وقد رزقتُ من الشعر ما لم يرزقه غيرى من النساء، وقد قصصتُه وأصلحتُ منه شكالًا [1] للفرس وعفَّرته بالتراب لئلا ينظر إليه أحد، وقد أحببتُ أن تأخذه معك فإذا صرتَ في بلاد الكفر، وجالت الأبطال، ورميت النبال، وجردت السيوف، وشرعت الأسنة، فإذا احتجت إليه، وإلا فادفعه إلى مَن يحتاج إليه ليحضر شعري، ويصيبه الغبار في سبيل الله.

كان لي زوج وعصبة - لا زوج لي، والعصبة نحو العشرة أو إلى الأربعين - كلهم قتلوا في سبيل الله، لو كان عليَّ جهاد لجاهدت، قال: وناولتْني الشكال، وقالت: اعلم يا أبا قدامة أن زوجي لما قُتِل خلف لي غلامًا من أحسن الشباب، وقد تعلم القرآن والفروسية والرمي عن القوس، وهو قوَّام باليل صوَّام بالنهار، وله من العمر خمس عشرة سنة، وهو غائب في ضيعة خلفها له أبوه، فلعله يقدَم قبل مسيرك فأوجهه معك هدية إلى الله، وأنا أسألك بحرمة الإسلام لا تَحرِمنِي ما طلبتُ من الثواب، قال: فأخذتُ الشكال منها فإذا هو مضفور من شعر رأسها، فقالتْ: ألقِه في بعض رَحْلِك وأنا أنظر إليه ليطمئنَّ قلبي، قال: فطرحتُه في رحلي، وخرجت من الرقة ومعي أصحابي، فلما صرنا عند حصن مسلمة بن عبدالملك، إذا بفارس يهتف من ورائي: يا أبا قدامة، قف عليَّ قليلًا يرحمك لله، فوقفت وقلت لأصحايى: تقدموا أنتم حتى أنظر مَن هذا، وإذا بالفارس قد دنا مني وعانقني، وقال: الحمد لله الذي لم يحرمني صحبتك، ولم يردَّني خائبًا، قلت: حبيبي أسفر عن وجهك، فإن كان يلزم مثلك غزو أمرتك بالمسير، وإن لم يلزمك غزو رددتك، فأسفر عن وجهه فإذا غلام كأنه القمر ليلة البدر، وعليه آثار النعمة، قلت: حبيبي لك والد؟ قال: لا، بل أنا خارج معك أطلب ثأر والدي؛ لأنه

(1) شكالًا: أي قيدًا للفرس، شكل الدابة شكلًا؛ أي: قيدها بالشكال، ويقال شكلها به؛ أي: شد قوائمها - (المعجم الوجيز) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت