الصفحة 37 من 50

أما في الشعر فإن التركيب السابق مرهون بالقافية؛ ومن ثم جاء على هذا النحو:

ما صاحب الحاجات إلا معذبا (المعطوف)

وانسحب أثره على المعطوف عليه على النحو الآتى:

وما الدهر إلا منجنونا

إذن نصب (منجنونا) من أجل التناسق مع (معذبا) ، والغريب أن كل النحاة نظروا إلى الشطر الأول فقط، وعز عليهم محاولة النظر في الشطر الثاني، فحاولوا القول بأن الرواية (أرى) ، ثم أولوا النصب، مع أن الشطر الثاني لا يقبل إلا النصب دون تأويل بسبب القافية، وكذلك الشطر الأول المعطوف على الشطر الثاني، فانظر إلى أثر القافية على الحشو، واستبدال حكم نحوي بآخر.

والتحليلات المقدمة من الباحث ليست خاصة بالشعر، ففي القرآن الكريم، وتحديدا في سورة البقرة جاء قوله تعالى"إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين"62/ مقارنة بقوله تعالى في سورة الحج/17"والصابئين والنصارى"حيث التقديم لما جاء متأخرا في البقرة؛ لأن النصارى مقدمون على الصابئين في الرتبة؛ لأنهم أهل كتاب، فقدمهم في البقرة، والصابئون مقدمون على النصارى في الزمان؛ لأنهم كانوا قبلهم، في الزمن فقدمهم في سورة الحج [1] ، وهذا مرتبط بخصائص الواو حيث تعطف اللاحق على السابق، والسابق على اللاحق، مع اعتبار القرائن الأخرى الموضحة، مثل القرينة التاريخية، أو المفاضلة بين الكتابي والوثني، بما يؤكد أن الاستبدال ليس اعتباطا أو مجرد عرض للبدائل.

كما تتضح فكرة التطريز في وقوع الفعل مجزوما في القوافي المجرورة وذلك في قول امرئ القيس

أغرك مني أن حبك قاتلي ** وأنك مهما تأمري القلب يفعلِ [2]

(1) الكرماني: أسرار القرآن - ص 31.

(2) ديوان امرئ القيس تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم - دار المعارف- القاهرة الطبعة الرابعة-ص 13.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت