(2) "وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد {ما} جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين) [1] "
اختلاف الموقعة النصية في كل من الآيتين، مقتضاه أن الموصول الخاص (الذي) جاء في آية تحمل صيغة التهديد، في أمر عقائدي للرسول صلى الله عليه وسلم إن اتبع عقيدة اليهود والنصارى؛ ومن ثم فالمراد بالعلم هنا العلم بالكمال، وليس وراءه علم؛ لأن معناه بعد الذي جاءك من العلم بالله وصفاته، وبأن الهدى هدى الله، وأن دين الله الإسلام، وأن القرآن كلام الله، فكان لفظ (الذي) أولى من لفظ (ما) ؛ لأنه في التعريف أبلغ بعكس (ما) تأتي مرة نكرة ومرة معرفة، وهو مرتبط بالموقعة النصية للآية المستخدم فيها (ما) فهي خاصة بالشريعة لا العقيدة، حيث الحديث في الآية الثانية عن قبلة الله - قبلة المسلمين - الكعبة- وذلك قليل من كثير من العلم، والمعنى بعد ما جاءك فيه العلم بالقبلة، حيث نسخت القبلة الأولى بهذه الثانية. [2]
ولا يرتبط الاستبدال بالأدوات والصيغ، بل يتعدى أثره إلى التركيب، بدليل أن الاستبدال يكون مقياس التعدد أو عدمه في باب الخبر، وهو مقياس لعدم صحة العطف أحيانا ففي قول النحاة (الرمان حلو حامض) لا يمكن أن يكون من باب تعدد الأخبار؛ لأنهما يستبدلان بكلمة واحدة هي مُزّ ومن ثم فالمقصود: الرمان مُز، أي جامع لطرف من كل خبر، ولا يصح الرمان حلو ثم الرمان حامض [3] ، أضف إلى هذا أن اختيار الاستبدال -أحيانا- يرجح عدم امتداد المركب الخبري، بما يؤكد أن النحاة نظروا إلى تراكيب اللغة على أنها هيئة مجموعات أو بدائل مما يؤذن أن اللغة بناء واحد تتكامل لبناته ويشد بعضها بعضا كما قال الدكتور شرف الدين [4]
غير خاف أن الشعراء المبدعين، طوعوا اللغة تحقيقا لمقاصدهم وأغراضهم عن طريق الاستبدال، إن على مستوى الحرف و الصيغة، وإن على مستوى التركيب، وكانت القافية هي
(1) سورة البقرة آية (145) .
(2) الكرماني: أسرار القرآن ص 33 بتصرف.
(3) ابن هشام: أوضح المسالك على ألفية ابن مالك 1 - 207.
(4) د: محمود عبد السلام شرف الدين التوابع بين القاعدة والحكمة دار هجر للطباعة والنشر- المهندسين-الطبعة الأولى- 1407 هـ-1987 م ص 9.