والواضح أن أبا جعفر الألبيري هنا قد عمل على محاورة النص التراثي، عن طريق الابتعاد به عن أصل وضعه، إلى مدح النبي - صلى الله عليه وسلم -، حيث عمد إلى تشطير قصيدة امرئ القيس، على عادة الأندلسيين حين يفتنون بشعر المشارقة، ومن ثم ينهالون عليه معارضة وتضمينا وتشطيرا وتخميسا .... الخ، وقد ساعده على ذلك طواعية معاني المعلقة ـ كما أشرت سابقا ـ لمعاني الحزن والبكاء شوقا لزيارة الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) ، وندما على الذنوب التي تورط فيها المسلم، فالوصول الى القبر استدعى الوقوف الباكي عند امرئ القيس، وتذكر الذنوب من الشاعر استدعى أماكن حدوثها عند امرئ القيس، حيث يرمز (سقط اللوى) إلى مكان مغامراته العابثة، وتغير حال الأماكن بمرور الزمن يستدعي سبب تغير الديار عند امرئ القيس بفعل الرياح وهكذا.
وإذا كان التضمين في الأمثلة السابقة تضمينا بسيطا لا يتعدي ثلاثة أشطر من المعلقة ـ فإن هناك من النماذج ما كان التضمين فيها موسعا إلى أبعد غاية، ويتضح ذلك جيدا من قصيدة أبي الحسن حازم القرطاجني [1] ، الذي استطاع أن يمزج بين معاني المعلقة ومعاني مدح المصطفى (- صلى الله عليه وسلم -) بصورة جيدة في قصيدة بلغت أبياتها سبعة وسبعين بيتا، وفيها يقول: [2]
لعينيك قُلْ إن زرْت أَفضلَ مرسل ... قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
وفي طيْبَة فانزل ولا تغش منزلًا ... بسقط اللّوى بينَ الدُّخُولِ فحومل
و زر قد طالما طاب نشرها ... لمّا نسجتها من جنوب وشمأل
و أثوابك أخلع محرما ومصدقا ... لدى الستر إلاّ لبسة المتفضل
لدى كعبة قد فاض دمعي لبعدها ... على النحر حتى بل دمعي محملي
(1) حازم بن محمد بن حسن، ابن حازم القرطاجني أبو الحسن. 608 - 684 هـ / 1211 - 1285 م أديب من العلماء له شعر، من أهل قرطاجنة شرقي الأندلس، تعلم بها وبمرسية وأخذ عن علماء غرناطة وإشبيلية وتتلمذ لأبي علي الشلوبين ثم هاجر إلى مراكش. ومنها إلى تونس، فاشتهر وعُمّر وتوفي بها. وله (ديوان شعر - ط) صغير وهو صاحب المقصورة التي مطلعها:
لله ما قد هجت يا يوم الندى ... على فؤادي من تباريح الجوى
شرحها الشريف الغرناطي في كتاب سماه (رفع الحجب المنشورة على محاسن المقصورة - ط) .من كتبه (سراج البلغاء) طبع طبعة أنيقة محققة باسم (مناهج البلغاء وسراج الأدباء) .
(2) نفح الطيب 5/ 520 - 523، ومعاهد التنصيص صـ 576، يقول العباسي:"الأحسن في هذا النوع صرفه عن معناه الأول، فمن ذلك قول أبي الحسن حازم في تضمين قصيدة امرئ القيس وقد صرف معانيها إلى مدح النبي - صلى الله عليه وسلم -"