فلو مُطفلا أنشدتها لفظها أرعوت ..."فألهيتها عن ذي تمائم محول"
وتكمن الإجادة في انصهار شطرات امرئ القيس في نسيج النص الشعري للقصيدة، على نحو لا نشعر معه بأن هذه الأشطر شطرات مضمنة، فالذنب يحاصر الشاعر بأنواع الهموم كما حاصر الليل امرأ القيس، وشياطين الشهوة تريد الخلاص من الشاعر كما كان يريد الحراس الخلاص من امرئ القيس، ومن ثم يرجو الشاعر من الدنيا ألا تتدلل عليه كما كان امرؤ القيس يطلب من حبيبته وهكذا.
والأمر ذاته نجده في قول سيف الدين على بن عمر بن قذل المشد لما وقع بالمدينة الشريفة رعد وزلزلة ونيران، فأقلع الناس عن المعاصي [1]
ألا سلما عني على خير مرسل ... ومن فضله كالسيل ينحط من عل
وأشرف من شدت إليه رحالنا ... لتورد هيم الشوق أعذب منهل
تحملن منا كل أشعث أغبر ... فيا عجبا من رحلها المتحمل!
إلى سيد جاءت بعالي محله ... ومعجزه آي الكتاب المنزل
نبي هدانا للهدى بأدلة ... فهمنا معانيها بحسن التأول
محمد المبعوث والغي مظلم ... فأصبح وجه الرشد مثل السجنجل
وقولا له: إني إليك لشيق ... عسى الله يدني من محلك محملي
فتخمد أشواقي وتسكن لوعتي ... وأصبح عن كل الغرام بمعزل
ولما نفى عني الكرى خبر التي ... أضاءت بإذن ثم رضوى ويذبل
ولاح سناها من جبال قريظة ... لسكان تيما فاللوى فالعقنقل
لها شرر كالبرق لكن شهيقها ... فكالرعد عند السامع المتأمل
وأصبح وجه الشمس كالليل كاسفًا ... وبدر الدجى في ظلمة ليس تنجلي
(1) حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة ـ عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي ـ محمد أبو الفضل إبراهيم ـ دار إحياء الكتب العربية ـ عيسى البابي الحلبي وشركاه - الأولى 1387 هـ - 1967 م 2/ 47، 48.