فطوبى لنفس جاورت خير مرسلٍ ..."بيثرب أدنى دارها نظر عالي"
كما يبدو في ذكر الرأس والأوصال في معجزة الظبية في قول الشاعر:
ألم تر أنَّ الظبية استشفعت به ..."تميل عليه هونة غير مجفال"
و قال لها عودي فقالت له نعم ..."ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي"
والملاحظ هنا أن الشاعر في نظره وتضمينه بعض أشطر امرئ القيس لم يكن يلتزم في التقفية ترتيب أبيات القصيدة، وإنما كان يختار من أعجازها ما يلائم الصدور التي أبدعها.
وإعجاب الشاعر المسلم بنهج امرئ القيس القصصي وتوظيفه حتى في مدح الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) ، ثم وقوفنا على ما رواه الإمام أحمد من طريق هشيم عن أبي الجهيم الواسطي عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: امرؤ القيس صاحب لواء الشعراء إلى النار [1] ـ يقف بنا على مفارقة صارخة، إذ كيف يوظف شعر غزلي كهذا في مدح الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) إلا إذا كان الشاعر مشدودا لنهج الشاعر، ومفتونا بطريقته في القص، ناهيك عن طواعية مفرداته وإيحائها بمفردات البيئة العربية ومناخها في العصر الجاهلي، وناهيك أيضا عما يمكن أن يكون قد قرّ في ذهن هؤلاء من ضعف هذا الحديث، حيث يقول عنه الأستاذ أحمد شاكر:"إسناده ضعيف جدًا، فأبو جهم قال فيه أبو زرعة الرازي: واه، وقال ابن عدي: شيخ مجهول لا يعرف له اسم، وخبره منكر وترجم له ابن حبان في كتاب المجروحين من المحدثين، قال الشيخ شاكر: ولهذا الأثر قصة يذكرها الأدباء وينسبون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ذاك رجل مذكور في الدنيا شريف فيها، منسي في الآخرة خامل فيها يجيء معه لواء الشعراء إلى النار" [2]
(1) المسند ـ أحمد بن حنبل - شرح أحمد شاكر - دار الحديث الأولى 1995 - 6/ 530، 531.
(2) تنظر القصة في عيون الأخبار ـ ابن قتيبة - دار الكتب المصرية - القاهرة - الأولى 1930 1/ 143، 144، والأغاني ـ أبو الفرج الأصبهاني ـ تحقيق علي مهنا وسمير جابر ـ دار الفكر للطباعة والنشر - لبنان 8/ 208، ولسان العرب ـ محمد بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري ـ دار صادر ـ الأولى 2/ 315، وتاج العروس من جواهر القاموس ـ محمد مرتضى الحسيني الزبيدي ـ تحقيق: مجموعة من المحققين ـ دار الهداية 6/ 81، وكنز العمال في سنن الأقوال والأفعال ـ علاء الدين علي المتقي بن حسام الدين الهندي ـ تحقيق: محمود عمر الدمياطي ـ دار الكتب العلمية - بيروت - الأولى 1998 م 14/ 17، وفيه: عن هشام بن محمد الكلبي عن فروة بن سعيد عن عفيف ابن معد يكرب عن أبيه عن جده قال قدم قوم من اليمن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا محمد أحيانا الله ببيتين من شعر امرئ القيس بن حجر قال وكيف ذلك قالوا أقبلنا نريدك فضللنا فبقينا ثلاثا بغير ماء فاستظللنا بالطلح، فأقبل راكب ملتثم بعمامة وتمثل رجل منا ببيتين:
ولما رأت أن الشريعة همها ... وأن البياض من فرائصها دامي
تيممت العين التي عند ضارج ... يفيء عليها الطلح عرمضها طامي
فقال الراكب من يقول هذا الشعر قال امرؤ القيس بن حجر قال فلا والله ما كذب هذا ضارج عندكم فجثونا على الراكب إلى ماء كما ذكر عليه العرمض يفيء عليه الطلح فشربنا رينا وحملنا ما بلغنا الطريق فقال النبي صلى الله عليه وسلم ذاك رجل مذكور - وفي لفظ مشهور - في الدنيا شريف فيها منسي في الآخرة خامل فيها يجيء يوم القيامة معه لواء الشعراء يقودهم إلى النار.