ويلاحظ أن أوجست كونت قد صنف العلوم من المجرد (الرياضيات) إلى المحسوس العياني (علم الاجتماع) .
وعليه، فقد جاءت وضعية أوجست كونت حلا للفوضى التي كانت تعيشها فرنسا إبان انتصار الثورة الفرنسية على الإقطاع، فنتج عن ذلك مجموعة من الاضطرابات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وعرف المجتمع انقساما وتفككا وتصدعا وفوضى عارمة. لذلك، حاول كونت أن يوفق بين النظام والتقدم، أو بين رغبات المجموعة المحافظة، ورغبات البورجوازية التي كانت تناصر الثورة. لذا، جاءت الوضعية للدفاع عن النظام والتقدم، وتوظيف العلم لتحقيق أمن المجتمع وسلامته. لكنه لم يوظف الفكر العلمي باعتباره نظرية لتحقيق ذلك، بل استخدمه سلاحا إيديولوجيا ليس إلا. وفي هذا، تقول وسيلة خزار:"وعلى الرغم من إيمان كونت بالمنهج الوضعي، إلا أنه لم يلتزم أساسياته، بل حوله إلى سلاح إيديولوجي، فقد حاول إقصاء الجماهير عن إدارة المجتمع وتنظيمه، وعن رسم السياسة العليا له، على أساس أن هذه الوظيفة هي وظيفة علماء الاجتماع وخبراء التنظيم؛ فهذه الصفوة هي السلطة النهائية القادرة على رسم الطريق الصحيح لتحسين حالة أبناء الطبقات الدنيا، وذهب إلى أنه ليس من حق الجماهير التساؤل عن أشياء تعلو قدراتهم ومؤهلاتهم". [2]
وهكذا، يتبين لنا بأن وضعية كونت، على الرغم من طابعها العلمي، فهي تحيز واضح إلى ماهو محافظ وساكن وثابت، مع رفض التغيير باسم الثورة، بيد أنها تقبل الإصلاح. وفي هذا السياق، يقول نبيل السمالوطي:"الوضعية في الوقت ذاته فلسفة إيجابية كما يدل على ذلك اسمها (Positivisme) . والإيجاب هنا يعني قبول الأوضاع الراهنة، والوقوف منها موقف الرضا والتأييد، والعمل على الدفاع عنها ضد أي اتجاه. أي: إلى تغييرها تغييرا جذريا، فالوضعية لم تكن تعارض الإصلاح، بل التغيير، ولكن ذلك كله كان يجب أن يتم في إطار"
(1) - زيدان عبد الباقي: التفكير الاجتماعي: نشأته وتطوره، دار الفكر العربي، القاهرة، مصر، طبعة 1981 م، ص:317 - 318.
(2) - د. وسيلة خزار: الإيديولوجيا وعلم الاجتماع، ص:133 - 134.