يعد فلهلم ديلثاي (W.Dilthey) [1] من أهم الفلاسفة الألمان الذين انتقدوا الوضعية العلمية، كما يتجلى ذلك واضحا عند استيوارت ميل (John Stuart Mill) وأوجست كونت (Auguste Comte) ، ولاسيما في كتابه (مدخل إلى علوم الروح) الذي نشره سنة 1883 م، ويعد أيضا من الرواد الأوائل الذين تبنوا المقاربة الهيرمونطيقية في العلوم الاجتماعية. وقد دافع ديلثاي عن استقلال العلوم الإنسانية، ولاسيما العلوم التاريخية والعلوم الاجتماعية، عن العلوم الوضعية أو العلوم الفيزيائية. وقد سمى ديلثاي العلوم التي تتضمن النزعة التاريخية بعلوم الروح، مثل: علم الاجتماع، وعلم التاريخ، وعلم الثقافة ... وبذلك، أحدث قطيعة إبستمولوجية مع العلوم الوضعية التي مجالها الرياضيات، والفيزياء، والكيمياء، والبيولوجيا ... ومن ثم، يكون من الباحثين الأوائل الذين فرقوا بين علوم التفسير وعلوم الفهم، ودافعوا عن الفهم والتأويل. وقد تأثر بقولة نيتشه (Nietzsche) :"ليست هناك وقائع، بل مجرد تأويلات". وبذلك، يكون نيتشه قد انتقد بدوره وضعية أوجست كونت، إذ اعتبر التاريخ عبارة عن مجموعة من الآراء على آراء. وبذلك، قد يكون قد مهد للنزعة الذاتية التفهمية.
بيد أن هذا التمييز بين الفهم والتفسير كان واضحا وجليا مع ماكس فيبر الذي قال قولته المشهورة:"نفسر الطبيعة، ونفهم الحياة النفسية."ومن ثم، يهتم ديلثاي بالسببية، بيد أنها سببية المقاصد والنوايا والغايات والمعاني. أي: يبحث في التاريخ عن آثار المعنى. ومن هنا، يرتبط الفهم عند ديلثاي بعالم الروح أو عالم الوعي. في حين، يرتبط التفسير بالمادة وعالم الطبيعة والأشياء.
المطلب الثالث: ماكس فيبر ومنهج الفهم
لايمكن فهم التصور المنهجي لدى ماكس فيبر (Max Weber) [2] إلا باستعراض مجموعة من القضايا الأساسية في تصوره السوسيولوجي على الوجه الموالي:
(1) - ولد الألماني فلهليم دلثاي سنة 1833، وتوفي سنة 1911 م.
(2) - ولد ماكس فيبر بألمانيا سنة 1864، وتوفي سنة 1920 م، درس الفلسفة، والتاريخ، والقانون والاقتصاد. ومن أهم كتبه (الأخلاق البروتستاتية وروح الرأسمالية) (1904 - 1905 م) ، و (الاقتصاد والمجتمع) (1922 م) .